حين امتلكنا كل شيء… وفقدنا أنفسنا بعض الشيء .. هل يمكن أن نمتلك كل شيء… ونفقد أنفسنا في الوقت نفسه؟
د. منى النحلاوي …..
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة، لم يعد الإنسان يعاني من نقص المعرفة أو قلة الإمكانيات، بل على العكس تمامًا… أصبح كل شيء متاحًا، قريبًا، وفي متناول اليد. بضغطة زر، نعرف، نرى، نطلب، ونحصل. عالمٌ مفتوح بلا حدود، وفرص لا تُحصى.
لكن وسط هذا الاتساع، يبرز سؤال مقلق:
هل امتلاك كل شيء يعني أننا نعيش حقًا؟
ورغم هذا التقدّم الهائل، تشير تقارير عالمية إلى تصاعد الشعور بالوحدة والفراغ النفسي، خصوصًا مع الإفراط في استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل. فبحسب تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية، يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من القلق والاكتئاب رغم ارتفاع مستويات الرفاهية المادية، في مفارقة تكشف أن الوفرة لا تعني دائمًا الطمأنينة، وأن الإنسان قد يمتلك كل شيء… لكنه يفتقد شعوره بالحياة نفسها.
لقد منحتنا العولمة والرقمنة وفرة لم يعرفها من قبلنا. نملك خيارات أكثر، ووسائل أسهل، وحياة تبدو – من الخارج – أكثر راحة ورفاهية. ومع ذلك، هناك شعور خفي يتسلل إلى الداخل… شعور بأن شيئًا ما قد تراجع، أو ربما تلاشى بصمت.
لم نعد نشعر بقيمة الأشياء كما كنا.
لم تعد البساطة تُدهشنا، ولا اللحظات الصغيرة تملؤنا بالرضا. أصبحنا نمرّ بالحياة مرورًا سريعًا، نستهلكها أكثر مما نعيشها.
في الماضي، كانت التفاصيل بسيطة، لكنها عميقة الأثر.
فطور متواضع من الزعتر والزيت، لكنه كان يحمل دفئًا ومعنى. لم تكن القيمة في الكمية، بل في الإحساس. في الرضا. في ذلك الاكتفاء الصامت الذي لا يحتاج إلى تفسير.
أما اليوم، فموائدنا ممتلئة، وخياراتنا لا تنتهي، لكن السؤال لم يعد: ماذا نملك؟
بل: ماذا نشعر؟
لقد قرّبتنا التكنولوجيا من كل شيء… إلا من أنفسنا. أغرقتنا في التفاصيل، وأبعدتنا عن الجوهر. جعلتنا نبحث باستمرار عن المزيد، دون أن نتوقف لنتذوق ما بين أيدينا. ومع هذا السعي الدائم، تآكلت قدرتنا على الإحساس، وأصبح الاكتفاء شعورًا نادرًا.
ربما المشكلة لم تكن يومًا في قلة ما نملك… بل في فقداننا القدرة على الشعور بما نملك.
وفي خضم هذا العالم المزدحم،
يبقى السؤال الأهم:
هل نحتاج فعلًا إلى المزيد… أم نحتاج أن نستعيد أنفسنا أولًا؟
باحثه فى القضايا الاجتماعية
الكاتبة من الأردن
تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية