فادي السمردلي يكتب: الأردن لا يفتقر للموارد بل لاستثمارها
بقلم فادي زواد السمردلي ……
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
يمتلك الأردن اليوم ما يكفي من الموارد والفرص التي تؤهله لبناء اقتصاد أكثر قوة واستقرارًا، لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في نقص الإمكانيات، بل في طريقة إدارتها واستثمارها فالكثير من الثروات الطبيعية والمواد الخام ما تزال تُصدر خارج البلاد بصورتها الأولية، بينما تذهب القيمة المضافة وفرص التشغيل والعوائد الكبرى إلى دول أخرى تمتلك صناعات تحويلية أكثر تطورًا.
وعلى مدى سنوات، بقي الاقتصاد الأردني يعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد والخدمات والضرائب، في وقت لم يُمنح فيه القطاع الصناعي والإنتاجي الاهتمام الكافي ليكون محركًا حقيقيًا للنمو فالفوسفات والبوتاس والرمال السيليكية والمواد التعدينية الأخرى كان يمكن أن تتحول إلى صناعات متقدمة تخلق آلاف فرص العمل وتدعم الصادرات وتخفف من أعباء البطالة، بدل الاكتفاء ببيعها كمواد خام بعوائد محدودة.
المشكلة ليست في غياب الفرص، بل في غياب الرؤية الاقتصادية طويلة المدى إذ إن تعدد القرارات وتغير السياسات وضعف التنسيق بين المؤسسات الرسمية خلق بيئة استثمارية غير مستقرة، دفعت الكثير من المستثمرين إلى التردد أو البحث عن أسواق أخرى أكثر وضوحًا واستقرارًا.
كما أن البيروقراطية وتعقيد الإجراءات ما تزال تشكل أحد أكبر العوائق أمام أي مشروع إنتاجي حقيقي فالمستثمر لا يبحث فقط عن الإعفاءات، بل عن سرعة القرار، واستقرار التشريعات، وتوفير البنية التحتية اللازمة للإنتاج والتصدير.
وفي المقابل، فإن تطوير الصناعات التحويلية يمكن أن يشكل نقطة تحول مهمة للاقتصاد الأردني فكل مادة خام يتم تصنيعها داخل البلاد تعني قيمة مضافة أعلى، وفرص عمل أكبر، وحركة اقتصادية تمتد إلى قطاعات النقل والخدمات والطاقة والتكنولوجيا وهذا النموذج أثبت نجاحه في دول كثيرة اعتمدت على التصنيع المحلي كمدخل رئيسي للنمو الاقتصادي.
ولا يمكن الحديث عن أي نهضة اقتصادية دون شراكة حقيقية مع القطاع الخاص، باعتباره الطرف القادر على الاستثمار والتشغيل والتوسع والمطلوب اليوم ليس فقط جذب المستثمر، بل منحه الثقة بأن السوق الأردني قادر على حماية الاستثمار وتحقيق العائد.
ومن المحاور المهمة أيضًا، الاستثمار في التعليم التقني والتدريب المهني، لأن أي توسع صناعي يحتاج إلى كوادر مؤهلة قادرة على تشغيل المصانع والتعامل مع التكنولوجيا الحديثة فالصناعة لا تنجح بالموارد وحدها، بل بالعقول والخبرات التي تديرها.
الأردن لا يحتاج إلى حلول معقدة بقدر حاجته إلى استثمار ما يملكه بالفعل فالفرص موجودة، والموارد متوفرة، والموقع الجغرافي يمنح المملكة ميزة تنافسية مهمة، لكن المطلوب هو الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى بناء اقتصاد إنتاجي يعتمد على الصناعة والاستثمار والتخطيط طويل الأمد.
وفي النهاية، فإن الدول لا تُقاس بما تملكه من ثروات فقط، بل بقدرتها على تحويل تلك الثروات إلى قوة اقتصادية وفرص حقيقية للمواطنين. والأردن يملك اليوم فرصة حقيقية لإعادة توجيه بوصلته الاقتصادية نحو الإنتاج، بدل البقاء في دائرة الاستهلاك والاعتماد على الحلول المؤقتة.
الكاتب من الأردن