حين يتحول السوق إلى ساحة شك… من قتل الثقة في التجارة؟
محي الدين غنيم ….
في الأردن، لم تعد الأزمة الاقتصادية وحدها هي التحدي الأكبر، بل أصبحت أزمة الثقة أخطر من أي ركود مالي أو تراجع في القدرة الشرائية. فحين يهتز الجانب الأخلاقي في التعامل التجاري، وتغيب المصداقية عن بعض المتعاملين، يصبح السوق كله معرضًا للاهتزاز، ويصبح التاجر والمستهلك على حد سواء أسرى للخوف والشك والحذر.
لسنوات طويلة، بُني جزء كبير من الحركة التجارية على ثقافة البيع الآجل، حتى أصبح الدين التجاري أسلوبًا شبه ثابت في كثير من القطاعات. لكن المشكلة لم تكن يومًا في البيع الآجل بحد ذاته، بل في سوء استخدامه. فهناك من اعتبره وسيلة للتوسع المشروع، وهناك من حوّله إلى باب للاستغلال، بل إلى تجارة قائمة على الفوائد المرهقة والشروط المجحفة التي تستنزف الناس وتستغل حاجاتهم المعيشية.
ومع التعديلات القانونية المتعلقة بعدم حبس المدين، ارتفعت أصوات بعض كبار التجار مطالبة بإعادة الحبس باعتباره أداة ضغط لتحصيل الحقوق. لكن السؤال الحقيقي هنا: هل كانت التجارة قائمة على الثقة والقدرة المالية، أم على الخوف من السجن؟
الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن الحبس لم يكن علاجًا جذريًا للمشكلة، بل كان في كثير من الأحيان مجرد وسيلة لإخفاء خلل أعمق في بنية السوق. الخلل الحقيقي يكمن في الاعتماد المفرط على البيع بالدين، وفي منح تسهيلات مالية دون دراسة حقيقية للقدرة على السداد، وفي تغليب الربح السريع على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
اليوم، ورغم حالة التباطؤ التي يشكو منها البعض، إلا أن هناك نوعًا من إعادة التوازن بدأ يظهر في السوق. أصبح كثير من الناس يشترون وفق ما يملكون نقدًا، وأصبح الإنفاق أكثر حذرًا، وهذا قد يكون مؤلمًا لبعض التجار، لكنه على المدى البعيد قد يكون بداية تصحيح لمسار اقتصادي انحرف لعقود.
الأردن لا يحتاج إلى عودة سجن المدين بقدر ما يحتاج إلى إعادة بناء أخلاق السوق… يحتاج إلى ثقافة تجارة تقوم على الصدق، والشفافية، والمسؤولية، وتقييم المخاطر، لا على التوسع في الديون ثم المطالبة بالقوة عند التعثر.
فالسوق الذي يُبنى على الخوف، ينهار عند أول تغيير قانوني… أما السوق الذي يُبنى على الثقة والعدالة، فهو الذي يصمد ويستمر.
الكاتب من الأردن