فادي السمردلي يكتب : أحزاب كثيرة لكن أين القواعد المؤمنة بالفكرة؟

*بقلم فادي زواد السمردلي*  …..

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

إن اشتراط قانون الأحزاب وجود ألف شخص كحد أدنى لتأسيس الحزب كان يهدف إلى بناء كيانات سياسية قوية تمتلك قاعدة جماهيرية متماسكة قائمة على الإيمان بفكرة الحزب ومبادئه فهذه القاعدة المفترضة هي التي تُمكّن الحزب من لعب دور حقيقي في الحياة السياسية وتحقيق تأثير ملموس في الشارع وصناديق الاقتراع. لكن الواقع أثبت أن هذا الهدف لم يتحقق في الكثير من الحالات، حيث تحولت عملية التأسيس إلى سباق نحو استيفاء العدد المطلوب، دون التركيز على مدى اقتناع هؤلاء الأفراد بفكرة الحزب أو استعدادهم للدفاع عنها والعمل من أجلها.

في العديد من الأحزاب التي أُسست وفقًا لهذا الشرط، لم يكن الانضمام نابعًا من قناعة فكرية، بل جاء نتيجة ممارسات اجتماعية وشخصية مثل المجاملة أو الإحراج فكم من شخص سجل في حزب معين إرضاءً لصديق أو قريب أو شخصية مؤثرة في منطقته، دون أن يكون لديه أدنى معرفة ببرنامج الحزب أو مبادئه وهذا النمط من الانضمام أنتج قاعدة هشة لا تستند إلى الإيمان الحقيقي بالفكرة، مما انعكس بوضوح في الانتخابات النيابية الأخيرة.

فقد عانت العديد من الأحزاب، حتى تلك التي تحالفت مع غيرها وشكلت ائتلافات انتخابية، من الفشل في تجاوز العتبة الانتخابية، مما يُظهر ضعف تأثيرها في الشارع وبعض هذه الأحزاب كان بعيدًا تمامًا عن تحقيق العتبة، بل إن بعض أعضائها لم يصوتوا لها أساسًا، واختاروا أحزابًا أخرى وهذه الظاهرة تكشف بوضوح أن الانضمام إلى الحزب في البداية لم يكن نتيجة اقتناع، بل كان مجرد وسيلة لاستيفاء شرط التسجيل، مما جعل الحزب يفتقر إلى قاعدة جماهيرية حقيقية.

إلى جانب ذلك، فإن طريقة إدارة بعض الأحزاب بعد تأسيسها ساهمت في إضعافها فعوضًا عن التركيز على بناء قيادة مبنية على الكفاءة والقدرة على تحقيق أهداف الحزب، لجأت بعض الأحزاب إلى تعيين قيادات بهدف إرضاء أفراد معينين أو مجموعات بعينها، مما خلق صراعات داخلية أثرت سلبًا على تماسك الحزب. وبدلًا من العمل على تعزيز الفكرة وترسيخها بين الأعضاء، انشغلت بعض الأحزاب في سباق غير مبرر على زيادة أعداد الأعضاء وهذا التوجه والذي حذرنا منه سابقا جعل الاستقطاب عموديًا، حيث أصبح الهدف تجميع الأعداد الكبيرة على حساب النوعية والجودة، مما أدى إلى وجود قاعدة جماهيرية ضخمة من الناحية العددية، لكنها ضعيفة فكريًا وتنظيميًا.

إن هذه المشكلات تكشف عن أزمة حقيقية في طريقة بناء الأحزاب وإدارتها فبدلًا من التركيز على الكم، كان على الأحزاب أن تعمل على استقطاب الأفراد الذين يؤمنون بفكرتها بشكل حقيقي، حتى لو كان ذلك يعني البدء بعدد أقل فالعدد الكبير وحده لا يكفي لإنشاء حزب قوي والحزب الحقيقي يُبنى على أساس الفكرة والمبادئ، ومن ثم يُعمل على توسيع القاعدة الجماهيرية تدريجيًا من خلال نشر الفكرة وكسب ثقة الناس.

لذلك، يمكن القول إن شرط العدد، رغم أهميته الظاهرية، لم يُترجم إلى قوة حقيقية للأحزاب وما تحتاجه الأحزاب اليوم هو إعادة النظر في سياساتها واستراتيجياتها ويجب أن يكون هناك تركيز على بناء حالة حزبية متينة قائمة على الإيمان بالمبادئ والكفاءة في القيادة فالتجربة أثبتت أن العدد وحده ليس ضمانًا للنجاح، بل إن الفكرة والتنظيم والعمل الجاد هي ما تصنع الفرق إن إصلاح الواقع الحزبي يتطلب التزامًا حقيقيًا بتعزيز القناعة داخل القواعد الحزبية والعمل على بناء قيادات قادرة على تمثيل الحزب بجدارة، بحيث تكون الكفاءة هي المعيار الأساسي، لا المصالح أو العلاقات الشخصية.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا