ترسانة المشاعر… وجرد الملفات الداخلية

* إذا كان الجسد يجدد خلاياه باستمرار، فلماذا نُصرّ نحن على الاحتفاظ بالمشاعر التي أنهكتنا؟

د.منى النحلاوي

يعمل جسم الإنسان في صمتٍ مذهل يشبه ورشة ترميم لا تتوقف؛ فخلايا الجسم تتغير باستمرار، ولكل عضو دورة تجدد تختلف عن الآخر. فبطانة المعدة والأمعاء تتجدد كل عدة أيام بسبب تعرضها المستمر للأحماض، وخلايا الجلد تستبدل نفسها كل أسابيع قليلة، بينما تتجدد العظام ببطء حتى يُستبدل الهيكل العظمي تقريبًا خلال سنوات طويلة. أما بعض الخلايا العصبية في الدماغ فتبقى معنا مدى الحياة، لكنها تعيد تشكيل الروابط والتجارب والانفعالات باستمرار.

وفي داخل هذا الجسد، لا تتحرك الخلايا وحدها، بل تتحرك معها مشاعر الإنسان أيضًا؛ فالسعادة، والحزن، والخوف، والطمأنينة ليست مجرد حالات عابرة، بل تفاعلات كيميائية تؤثر على الجسد كاملًا. فكل شعور يترك أثرًا داخليًا، وكل تجربة تخزنها الذاكرة العاطفية في أعماق الدماغ، خصوصًا في المناطق المرتبطة بالخوف والفرح والاستجابة للمواقف.

المشاعر السلبية لا تمر دائمًا بهدوء؛ بل قد تتحول مع الوقت إلى عبء ثقيل يستهلك التفكير والطاقة، ويؤثر على الصحة النفسية والجسدية معًا. فالتوتر المستمر، والعلاقات السامة، والخذلان المتراكم، كلها ملفات مفتوحة داخل الإنسان، تزدحم بها الرفوف الداخلية حتى يصبح العقل مثقلًا بالضوضاء والصراع الداخلي.

ولهذا، ربما يحتاج الإنسان إلى ما يشبه “جرد المشاعر”.

فكما تقوم المؤسسات كل فترة بجرد الملفات القديمة، والتخلص مما لم يعد له فائدة، وإعادة ترتيب الأرشيف والميزانيات، يحتاج الإنسان أيضًا إلى مراجعة ما يحمله داخله؛ ما الذي يستحق الاحتفاظ به؟ وما الذي يجب أرشفته كتجربة وانتهت؟ وما الذي يجب حذفه نهائيًا لأنه يستنزف الروح؟

إن جرد المشاعر لا يعني القسوة، ولا يعني قطع العلاقات أو التخلي عن الناس بصورة عشوائية، بل يعني إعادة تصنيف الأحمال النفسية حتى لا تتحول إلى ترسانة ثقيلة تسكن داخل الإنسان. فبعض العلاقات تحتاج إلى حدود، وبعض الذكريات تحتاج إلى تصالح، وبعض المشاعر لا بد أن تغادر حتى لا تسرق أعمارنا بصمت.

والمفارقة العجيبة أن أجسادنا تفهم قانون التغيير أكثر منا؛ فهي تجدد خلاياها باستمرار حفاظًا على التوازن والبقاء، بينما يصرّ كثير من البشر على تخزين الألم، والعيش داخل مواقف قديمة، والتمسك بمشاعر استهلكت طاقتهم منذ سنوات.

كما تلعب العادات والتقاليد دورًا مزدوجًا في هذا الأمر؛ فهي أحيانًا تدفع الإنسان إلى الحفاظ على علاقات مرهقة فقط خوفًا من نظرة المجتمع أو التغيير. لذلك يصبح الذكاء النفسي والثقافي ضرورة، حتى يوازن الإنسان بين الوفاء للآخرين والوفاء لنفسه أيضًا.

إن التغيير ليس خيانة للماضي، بل أحيانًا يكون إنقاذًا للحاضر.

وحين يبدأ الإنسان بجرد ملفاته الداخلية، يشعر بخفة لا تشبه ما قبلها؛ تصبح الرؤية أوضح، والطاقة أهدأ، ويستعيد العقل قدرته على التفكير بعيدًا عن التراكمات التي استنزفته طويلًا.

ويبقى السؤال الأهم:

كم ملفًا عاطفيًا ما زلنا نحمله داخلنا رغم انتهاء صلاحيته؟
وما الذي نحتاج اليوم إلى أرشفته… أو حذفه نهائيًا؟

الكاتبة أردنية

تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا