حتى متى يطول صمت الأمة ويتجرأ المجرمون على مقدساتنا وقرآننا
أسماء الجرادي. …..
تكررت في الآونة الأخيرة مشاهد حرق نسخ القرآن الكريم والاعتداء على مقدساتنا في أمريكاء وعواصم غربية ومستوطنات صهيونية وتمريرها تحت لافتة حرية التعبير. المؤلم أن يقابلها صمت رسمي وشعبي إسلامي عجيب. أمر موجع أن نرى قرآننا يُدنس على أيدي أنجس عباد الله ولا نسمع صوتًا يصرخ لوقف هذا الاستفزاز. ليستوقفنا السؤال لماذا سكتنا حتى بلغ بهم الحقد والجرأة علينا كل هذا المبلغ.
بعد أن سيطر الغرب على أفكار المسلمين انحصر همهم في متاع الحياة الدنيا. تلاشت الغيرة على الدين وتضاءل الاهتمام بقضايا الإسلام وأبنائه وغابت صحوة الضمير. ومع تواصل العمليات الاستفزازية للمسلمين يواصل الأعداء ايضاً شن حروبهم المتعددة الأوجه ومنها الحرب الناعمة التي استهدفت الفكر العربي والإسلامي. فأضحت غالبية الشعوب المسلمة غارقة في بحر الشبكة العنكبوتية تائهة في اللهو والملهيات منشغلة بأخبار الفن والمسلسلات حتى أضاعت الدين والأخلاق.
قبل أن يعتدي أعداء الدين على القرآن هم سلبوا منا الإيمان والأخلاق القرآنية من أعماقنا. ثم تطاولوا علينا تدريجيًا حتى بلغنا مرحلة تُسفك فيها دماؤنا وتُسلب أراضينا وتُنتهك مقدساتنا ويُحرق قرآننا بشكل متكرر دون رادع وملياران مسلم يقفون متفرجين .
اليهود وأمريكا والغرب يعلمون أن القرآن دستور يربي أجيال الإسلام ومصدر عزتهم وقوتهم. ولهذا عملوا لإلهائنا عنه وإشغالنا بأشياء أخرى ومحو أثره من حياتنا. وبعد أن تركنا العمل بالقرآن وفهمه احتلونا واستباحونا. وما نعانيه اليوم هو نتيجة حتمية لتخلينا عنه. إن ما يجري هو حقد متجذر في أعماقهم على كتاب الله الذي كشفهم على مدى الأزمنة ولهذا يسعون لمحوه من الوجود ولو استطاعوا لفعلوا ولكن الله تكفل بحفظه.
العداء للإسلام له مسار تاريخي طويل منذ أن نزل القرآن وهم يكيدون له كيدًا حتى عصرنا الحاضر. في العصور الوسطى أنتجت دوائر لاهوتية أوروبية كتابات تنال من القرآن والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتثبيت الهوية المسيحية في مواجهة التوسع الإسلامي. وفي العصر الاستعماري ربطت دراسات استشراقية بين الإسلام والتخلف لتبرير الهيمنة. وفي عصرنا شهدت الأعوام الأخيرة سلسلة حوادث حرق للمصحف في أمريكا واروباء وقد وثقت منظمة التعاون الإسلامي أكثر من خمسين حادثة إساءة بين عامي 2020 و2024 وتلت ذلك عدد من الاعتداءات في أمريكا في عام 2025، ومؤخرًا لهذا العام 2026 .
الخطاب الصهيوني منذ نشأته يعتبر الإسلام خطرًا وجوديًا على مشروعه فيجعل القرآن رمز تهديد يجب إنهاؤه ومن يتبعه. فالهدف الأهم واحد وهو إضعاف الأمة وتجريدها من هويتها وقوتها، ويتم ذلك عبر استخدام ملف الإسلام لاستنهاض القاعدة اليمينية وتغذية خطاب الكراهية في السياسة الداخلية لدول، وكذا عبر الحرب الناعمة لإفراغ الدين من محتواه التربوي والتشريعي وتحويله إلى طقوس شكلية وعبر دس المتطرفين لارتكاب جرائم باسم الإسلام لتعميم العداء عليه وعبر الاستفزاز الإعلامي لتحويل الإساءة إلى مادة إعلامية تدر مشاهدات وأموالًا.
حين يُنتزع القرآن من حياة الأمة تُنتزع هويتها الحضارية. فهو للأمة الإسلامية مصدر التشريع الأول وهوية جامعة ونص حُفظ بالصدر والسطر منذ ألف وأربعمائة سنة وعليه قامت مدارس الفقه والأدب واللغة والطب. وهو للبشرية كان له أثر في اللغة العربية والفلسفة والفلك في العصر الذهبي الإسلامي وله مخطوطاته مسجلة في ذاكرة العالم لدى اليونسكو. وهو يحمل منظومة أخلاقية شاملة قوامها العدل والرحمة وحرمة الدم وكرامة الإنسان وغيابها ينتج فراغًا تملؤه الملهيات والضياع والانقسامات.
واقع الأمة اليوم أن شعوبها انشغلت بالاستهلاك الرقمي والتفاصيل التافهة وتركت سؤال لماذا نحن هنا. وأنظمتها انشغلت بموازنات الأمن عن موازنات الوعي. ونخبها الثقافية قدمت الخطاب الاستهلاكي على الخطاب القيمي والديني. فكانت النتيجة أن الأرض تُسلب والدم يُسفك والمقدسات تُنتهك. والأخطر أنه يُسلب الإيمان من الداخل قبل أن تُسلب الأرض فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم. فقسوة القلب تبدأ بغياب الذكر.
والرد على هذه التصرفات يكون بخطة وعي شاملة تبدأ بالعودة المعرفية للقرآن فهو لم يُنزل للتلاوة فقط انما ليدبروا آياته. والواجب إحياء مدارس قرآنية تربط النص القرآني بالواقع وإنتاج محتوى رقمي يخاطب الشباب بلغتهم ويعلمهم القرآن فهمًا وعلمًا. ثم بالتحرك الشعبي والقانوني والدولي لتحويل الغضب إلى ضغط دولي يجرم هذه الأفعال والخروج الشعبي الغاضب والضغط على الحكومات لإدانة هذه التصرفات وتفعيل المقاطعة الاقتصادية. ثم بالتمثيل الديني القيمي فحين يرى العالم مسلمًا عادلاً عالمًا منتجًا ذا أخلاق رفيعة يفهم أن المشكلة في الصورة المشوهة التي تُقدم عنه فالأخلاق الدينية أقوى من ألف خطاب.
إنها معركة وعي في جوهرها. الغرب وأمريكا والصهيونية يعرفون قيمة القرآن أكثر من كثير من المسلمين اليوم. يعرفون أنه يصنع جيلاً لا يُشترى ولا يُباع لا يرضى بالضيم ولا يقبل الذل. فهم لم يستطيعوا محو القرآن لأن الله تكفل بحفظه لكنهم نجحوا في محو أثره من حياة كثيرين حتى صار المصحف فقط في البيوت والمساجد ولا يُعمل به في الواقع.
وهنا علينا العودة للقرآن فهمه والعمل به وتعليمه لأبنائنا وتدارسه حتى نعيد للإسلام مكانته وكرامته وللأمة مجدها ولن يكون هذا إلا ببيت يُدرّس فيه القرآن ومدرسة تربي على معانيه وإعلام يعيد تقديمه وإنسان يستعيد به إنسانيته.
فحين يعود القرآن حاكمًا تعود الأمة عزيزة وحين يغيب تقسوا القلوب وتتيه الأنفس وتُشتت الأفكار وتُستعمر الأوطان. إنها رسالة من قلب موجوع لعلها توقظ قلوبًا غافلة وتُحي ضمائر ماتت وتُعيد للأمة الأمل لتنجو.
الكاتب من اليمن