الأرشيف الفلسطيني: ذاكرة تحت الاحتلال
الكاتب: هبه بيضون ……
المطالبة باسترداد الأرشيف الفلسطيني المسلوب من قبل إسرائيل هي حق قانوني أصيل مكفول بموجب القانون الدولي، وضرورة وطنية لحماية الهوية والذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني. فمنذ عام 1948 استولت إسرائيل على سجلات المحاكم الشرعية والمدنية، أرشيفات البلديات، ووثائق المجلس الإسلامي الأعلى والهيئة العربية العليا، إضافة إلى مكتبات عامة وخاصة، وهي اليوم محتجزة في الأرشيف الوطني الإسرائيلي والمكتبة الوطنية في القدس الغربية. كما أنّ القوات الإسرائيلية خلال اجتياح بيروت عام 1982 نهبت أرشيف منظمة التحرير الفلسطينية، بما في ذلك أرشيف وحدة السينما الفلسطينية وأفلام ووثائق فوتوغرافية، وهو محفوظ حتى الآن في أرشيف الجيش الإسرائيلي، ما يعني أنّ الذاكرة البصرية والسياسية للشعب الفلسطيني تعرّضت للسطو أكثر من مرة.
هذا الاستيلاء يتعارض مع اتفاقية لاهاي لعام 1954 التي تحظر نقل أو مصادرة الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، وتُلزم الدولة المحتلة بحمايتها لا الاستيلاء عليها، كما يمنع البروتوكول الأول نقل الممتلكات الثقافية من الأراضي المحتلة إلى أراضٍ أخرى أو مصادرتها. كذلك تؤكّد اتفاقية اليونسكو لعام 1970 حق الشعوب باسترداد ما سُرق أو نُقل بطريقة غير مشروعة.
يعتبر الأرشيف الفلسطيني أداة قانونية يمكن استخدامها لإثبات الحقوق أمام المحاكم الدولية، وقد أثبتت التجربة أنّ الوثائق العثمانية التي حصلت عليها السلطة الفلسطينية من تركيا عام 2010 كانت سلاحاً فعّالاً بمواجهة محاولات الاحتلال مصادرة الأراضي، إذ نجحت باستعادة أكثر من أربعين ألف دونم بين عامي 2015 و2019 عبر المحاكم الإسرائيلية.
ورغم وجود جهود متواصلة عبر اليونسكو والأمم المتحدة لتأكيد حق الفلسطينيين بتراثهم، إضافة إلى مبادرات ثقافية لإعادة بناء الأرشيف السينمائي الفلسطيني الذي تعرّض للتدمير أو المصادرة، فإنّ هذه الجهود تبقى محدودة ما لم تتحول إلى قضية رسمية أمام محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية، بحيث تصبح المطالبة بالأرشيف الفلسطيني جزءاً من معركة قانونية عالمية ضد الاحتلال. أما العقبات الواقعية هنا فهي كبيرة وتتمثّل بضعف آليات التنفيذ في المنظومة الدولية، اعتماد القرارات على إرادة سياسية غير متوفرة، وإمكانية تعطيل أيّ مسار قانوني عبر الفيتو في مجلس الأمن. هذه التحدّيات تجعل من الضروري التفكير باستراتيجيات طويلة المدى تجمع بين الضغط القانوني والدبلوماسي والثقافي.
إلى جانب البعد القانوني، فإنّ فقدان الأرشيف يترك أثراً عميقاً على البعد الثقافي والإنساني. غياب الوثائق والأفلام والصور يحرم الأجيال الجديدة من الاطلاع على تاريخها المصوَّر والمكتوب، وقد يؤثّر على قدرتها على بناء سردية وطنية متماسكة. كما أنّ الإنتاج المعرفي الفلسطيني يتأثر مباشرة، إذ يُحرم الباحثون والمؤرخون من مصادر أولية أساسية لتوثيق التجربة الفلسطينية، ما يخلق فجوة معرفية ويضعف حضور الرواية الفلسطينية في السجلات الأكاديمية العالمية.
إنّ استرداد الأرشيف الفلسطيني ليس مجرد مطلب رمزي، بل قضية قانونية وثقافية وإنسانية متشابكة، تحتاج إلى عمل منظم على المستويات كافة، من المحاكم الدولية إلى المؤسسات الثقافية، ومن الدبلوماسية الرسمية إلى المبادرات الشعبية. تحويل هذه المطالبات إلى مسار قانوني رسمي سيُعيد الاعتبار للحقوق التاريخية والثقافية للشعب الفلسطيني، ويؤكّد أنّ حماية الذاكرة الوطنية جزء لا يتجزأ من مقاومة الاحتلال وحماية المستقبل.