متى تتحرر عقولنا من تكفير الآخر؟
محي الدين غنيم …..
في كل مرحلة من مراحل التاريخ كانت الأمم تنهض بالعلم والعقل والحوار، بينما كانت تتراجع عندما يتحول الاختلاف إلى عداوة، والرأي إلى تهمة، والمذهب إلى سلاح يُشهر في وجه الآخرين. وما نعيشه اليوم من حالة احتقان وانقسام بين أبناء الأمة الإسلامية يدفعنا إلى التساؤل بمرارة: متى تتحرر عقولنا من ثقافة تكفير الآخر؟
بكل أسف، ما زال هناك من يتعامل وكأنه وصي على الناس، يوزع صكوك الإيمان والكفر، ويمنح هذا حق دخول الجنة ويحرم ذاك منها، وكأن مفاتيح الرحمة الإلهية أصبحت في جيبه. هؤلاء نسوا أن الله وحده هو العالم بما في الصدور، وأن الحساب يوم القيامة ليس من اختصاص البشر مهما بلغت مكانتهم أو علمهم.
الأخطر من ذلك أن البعض أصبح ينظر إلى القضايا المصيرية للأمة من خلال عدسة الطائفة والمذهب، لا من خلال مصلحة الأمة وكرامتها ووحدتها. فبدلاً من الوقوف ضد العدوان والاحتلال والظلم، نرى من يبرر الاعتداء على شعوب وأوطان فقط لأنها تختلف معه مذهبياً أو فكرياً، متناسياً أن العدو الحقيقي لا يفرق بين مسلم وآخر عندما يستهدف الأمة ومقدساتها وأمنها واستقرارها.
إن نشر الكراهية المذهبية وتأجيج الفتن بين المسلمين ليس عملاً عفوياً ولا مجرد خلاف فكري، بل هو أخطر سلاح يستخدم لتمزيق المجتمعات وإضعافها وإشغالها بصراعات داخلية تستنزف طاقاتها وتبدد مقدراتها. وعندما ينشغل المسلم بعداوة أخيه المسلم، يصبح الطريق ممهداً أمام المشاريع التي تستفيد من الفرقة والانقسام وتغذيها.
إن الأمة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من دعاة الفتنة، بل تحتاج إلى دعاة وعي وعقل وحكمة، يؤمنون بأن الاختلاف سنة من سنن الحياة، وأن قوة المجتمعات تكمن في قدرتها على التعايش والتفاهم واحترام التنوع، لا في إقصاء الآخرين أو التحريض عليهم.
متى ندرك أن التكفير لا يبني وطناً ولا يحرر أرضاً ولا يصنع مستقبلاً؟ ومتى نفهم أن وحدة الصف لا تعني التطابق في الآراء، بل تعني الاتفاق على القواسم المشتركة ومواجهة الأخطار التي تهدد الجميع؟
إن تحرير العقول من التعصب والكراهية أصبح ضرورة وطنية وقومية ودينية. فالأمم لا تنهض بالأحقاد، ولا تنتصر بالفرقة، ولا تحفظ كرامتها إلا عندما تتجاوز خلافاتها وتدرك أن ما يجمعها أكبر بكثير مما يفرقها.
فمتى تتحرر عقولنا من تكفير الآخر قبل أن ندفع جميعاً ثمن هذا الانقسام؟
الكاتب من الأردن