فادي السمردلي يكتب: الدعم الخارجي عامل مُكمِّل غير حاسم في تفاعلات الصراع

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

لم يعد من الممكن النظر إلى الصراعات الحديثة في المنطقة من زاوية العامل الخارجي وحده، كما كان شائعًا في تحليلات سابقة كانت تميل إلى اختزال موازين القوى في حجم الدعم الذي تتلقاه هذه الجهة أو تلك فالتجربة الممتدة خلال السنوات الماضية أظهرت أن الدعم الخارجي، رغم أهميته، لا يعمل كعامل حاسم بحد ذاته، بل يظل في كثير من الأحيان عنصرًا مُكمّلًا يتفاعل مع معطيات داخلية أكثر رسوخًا وتأثيرًا، مثل القدرة على الصمود، وطبيعة الجغرافيا، وبنية التنظيم الميداني والسياسي للأطراف المختلفة.

في هذا السياق، يمكن فهم تفاعلات الصراع باعتبارها شبكة معقدة من العوامل المتداخلة، لا يمكن فصل أحدها عن الآخر. فالدعم الخارجي قد يوفّر أدوات أو موارد أو حتى غطاءً سياسيًا، لكنه لا يستطيع أن يعوّض غياب التماسك الداخلي أو ضعف القدرة على إدارة الأرض وعلى العكس من ذلك، قد ينجح طرف ما في الحفاظ على موقعه أو تعزيز حضوره رغم محدودية الدعم الخارجي، إذا امتلك عناصر صمود ذاتي وقدرة على التكيّف مع ظروف ميدانية صعبة.

الجغرافيا هنا تلعب دورًا لا يقل أهمية عن أي عامل آخر فالموقع الجغرافي، وطبيعة التضاريس، وامتداد خطوط الإمداد أو انقطاعها، كلها عناصر تحدد بشكل مباشر قدرة الأطراف على الاستمرار أو التراجع وفي حالات عديدة، أثبتت الجغرافيا أنها قادرة على إعادة تشكيل موازين القوة، حتى في ظل تفاوت واضح في حجم الدعم الخارجي بين طرف وآخر وهذا ما يجعل من الصعب التعامل مع الصراعات بوصفها معادلات بسيطة قائمة على التمويل أو التسليح فقط.

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال أن الدعم الخارجي نفسه ليس ثابتًا أو مضمونًا فهو يخضع لحسابات سياسية متغيرة، ولأولويات القوى الكبرى التي تقدمه، والتي قد تعيد ترتيب أولوياتها وفق تطورات إقليمية أو دولية أوسع وهذا يعني أن الأطراف المحلية التي تعتمد بشكل مفرط على هذا الدعم قد تجد نفسها في مواقف حرجة عندما تتغير الظروف أو تتبدل التحالفات، ما يعيد التأكيد على أن هذا الدعم، مهما بلغ حجمه، يظل عنصرًا غير حاسم في النهاية.

أما على مستوى التفاعلات الداخلية، فإن القدرة على التنظيم، وبناء شبكات إدارة فعّالة، والحفاظ على درجة من التماسك الاجتماعي والسياسي، تمثل عوامل أكثر استدامة في تحديد مسار الصراع فهذه العناصر لا تُستورد من الخارج، بل تتشكل داخل بيئة الصراع نفسها، وهي التي تمنح الأطراف القدرة على الاستمرار أو التكيف أو حتى إعادة إنتاج نفسها في ظروف متغيرة.

وفي ظل هذا التعقيد، يصبح من الواضح أن الحديث عن “حسم خارجي” للصراعات هو تبسيط مخلّ للواقع فالصورة الكاملة تشير إلى تداخل مستمر بين المحلي والإقليمي والدولي، حيث لا يطغى طرف على آخر بشكل مطلق، بل تتوزع مراكز التأثير بشكل ديناميكي ومتغير وهذا التداخل هو ما يجعل من الصراع عملية مفتوحة على احتمالات متعددة، لا يمكن اختزالها في عنصر واحد مهما بدا مؤثرًا.

في المحصلة، يمكن القول إن تفاعلات الصراع في المنطقة تعكس حالة من إعادة تشكيل مستمرة لموازين القوة، حيث يتقاطع الدعم الخارجي مع عوامل الصمود الداخلي والجغرافيا والتكنولوجيا والتحالفات ولكن رغم هذا التقاطع، يظل العامل الحاسم الحقيقي غالبًا في الداخل، في قدرة الأطراف على التكيف والاستمرار، أكثر من اعتماده على ما يأتي من الخارج.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا