فادي السمردلي يكتب: حين يختل أسلوب الخطاب تتراجع هيبة المؤسسة
بقلم فادي زواد السمردلي ……
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
في زمن تتسارع فيه الأخبار، وتُقاس فيه الدول ليس فقط بإنجازاتها، بل أيضًا بطريقة حديث مسؤوليها مع الناس، يصبح الخطاب الرسمي جزءًا لا يتجزأ من صورة الدولة وهيبتها فالكلمة الصادرة عن مسؤول ليست مجرد رأي عابر، بل هي امتداد مباشر لهيبة المؤسسة، وانعكاس لطريقة تفكيرها في المواطن ومكانته.
لكن المقلق اليوم ليس في مضمون السياسات أو القرارات فحسب، بل في أسلوب الخطاب الذي يصدر أحيانًا عن بعض المسؤولين، حيث تغيب اللباقة، ويضعف الحس المؤسسي، ويتحول الحديث من خطاب دولة إلى نبرة شخصية لا تليق بالمقام ولا بالموقع وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية عندما تفقد الكلمة الرسمية اتزانها، تفقد معها جزءًا من احترامها في وعي الناس.
الخطاب الرسمي ليس مساحة للانفعال، ولا ساحة لتفريغ الضيق أو ردود الفعل اللحظية فهو واجهة دولة، تُدار بعقل بارد ولسان موزون، لأن كل جملة تُقال تُحسب على المؤسسة لا على الشخص فقط وحين ينزلق الخطاب إلى التهكم، أو الحدّة غير المبررة، أو التقليل من شأن المواطن، فإن الضرر لا يقتصر على لحظة القول، بل يمتد ليهز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
المواطن لا يطلب تزيين الكلام، ولا ينتظر خطابات أدبية، لكنه في المقابل ينتظر احترامًا واضحًا، ونبرة تحفظ كرامته، مهما كان مستوى الخلاف أو الضغط فالدولة القوية لا تظهر في شدّة خطابها، بل في اتزانه ولا تُقاس بعلو الصوت، بل بقدرة ممثليها على ضبط اللغة حتى في أصعب الظروف.
إن أخطر ما في ضعف الخطاب الرسمي أنه يخلق فجوة نفسية بين المواطن والمؤسسة فحين يسمع المواطن خطابًا جافًا أو متعالياً، أو خاليًا من الحس الإنساني، يبدأ تدريجيًا في إعادة تقييم العلاقة كلها فلا يعود ينظر إلى المؤسسة باعتبارها مرجعية، بل كطرف بعيد عنه، لا يشعر به ولا يفهمه وهذه الفجوة، وإن بدت صغيرة في البداية، تتسع مع الوقت لتصبح أزمة ثقة حقيقية.
من جهة أخرى، لا يمكن فصل أسلوب الخطاب عن مفهوم الدولة ذاتها فالدولة ليست فقط قوانين وأنظمة، بل أيضًا ثقافة تواصل، ورؤية في احترام الإنسان ولذلك، فإن أي خلل في الخطاب الرسمي هو في جوهره خلل في تمثيل هذه القيم فالمسؤول ليس مجرد ناقل قرار، بل هو صورة حية للمؤسسة التي يتحدث باسمها، وكل كلمة تصدر عنه تُقرأ باعتبارها موقفًا رسميًا، لا رأيًا شخصيًا.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تحافظ على خطاب رسمي متزن ومحترم، حتى في أشد لحظات التوتر، هي الدول التي تنجح في الحفاظ على ثقة شعوبها لأن الناس قد يختلفون مع القرار، لكنهم نادرًا ما يختلفون مع أسلوب محترم في التعبير عنه أما حين يسقط الأسلوب، فإن حتى القرار الصحيح يفقد جزءًا من قبوله.
المطلوب اليوم ليس تنظيرًا في فن الخطابة، بل إعادة ترسيخ بديهية بسيطة أن الاحترام ليس تفصيلًا ثانويًا في الخطاب الرسمي، بل هو جوهره وأن اللباقة ليست ترفًا لغويًا، بل ضرورة مؤسسية تحمي صورة الدولة وتحفظ مكانتها في وعي الناس.
في النهاية، يمكن لأي مؤسسة أن تُصلح قرارًا خاطئًا، أو تعيد النظر في سياسة غير موفقة، لكن من الصعب جدًا إصلاح أثر كلمة قيلت بلا اتزان.فالكلمة حين تخرج من لسان مسؤول، لا تعود ملكه، بل تصبح جزءًا من ذاكرة الناس. ولهذا، فإن ضبط الخطاب ليس خيارًا تجميليًا، بل مسؤولية ثقيلة، لأنها ببساطة تحمي ما هو أكبر من الكلمات.تحمي هيبة الدولة نفسها.
الكاتب من الأردن