فادي السمردلي يكتب: العطش … قصة الماء في الأردن

بقلم فادي زواد السمردلي  ……

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

مع بداية الصيف في الأردن، لا يتغيّر الطقس فقط، بل يتغيّر إيقاع الحياة نفسها فترتفع درجات الحرارة، وتبدأ معها مرحلة مختلفة من القلق الصامت داخل البيوت متى ستصل المياه؟ وهل ستكفي هذه المرة؟ وهل سيصمد الخزان حتى نهاية الأسبوع؟

في بلد يُعد من أفقر دول العالم مائيًا، لم يعد السؤال عن المياه سؤالًا موسميًا، بل أصبح سؤال بقاء يومي وتشير تقديرات دولية إلى أن حصة الفرد في الأردن من المياه تقع ضمن أدنى المعدلات عالميًا، وتقل بكثير عن خط الفقر المائي العالمي ومع ذلك، لا تبدو المشكلة مجرد نقص في المورد فقط، بل في منظومة كاملة تُدار تحت ضغط مستمر من الطلب، النمو السكاني، والتغير المناخي.

في أحد أحياء عمّان، تقول أم لثلاثة أطفال إنها لم تعد تخطط ليومها بناءً على الوقت أو العمل، بل بناءً على “موعد المياه”. تنتظر دور الضخ كما ينتظر آخرون راتبهم فتغسل، تخزّن، وتعيد ترتيب استهلاك البيت بالكامل خلال ساعات محدودة “إذا فاتنا الدور، نشتري ماء من صهريج… وهذا يعني مصروف إضافي لا نحسبه أصلًا”، تقول وهي تنظر إلى خزان المياه فوق سطح المنزل وكأنه ساعة طوارئ لا تتوقف.

هذه ليست حالة فردية ففي مدن ومحافظات مختلفة، يتكرر المشهد ذاته بصيغ متعددة خزانات على الأسطح، مضخات تعمل في أوقات محددة، وجدول أسبوعي غير مكتوب ينظم الحياة المنزلية بدقة فالماء هنا ليس خدمة مستمرة، بل “وصول متقطع” يحتاج إلى إدارة شخصية من كل أسرة.

لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود المنازل ففي القطاع الزراعي، الصورة أكثر قسوة ومزارع في الأغوار يتحدث عن مواسم أصبحت “محسوبة بالماء قبل البذور”. أي نقص في الري يعني خسارة مباشرة في الإنتاج ومع ارتفاع كلفة المياه والنقل، يصبح الاستمرار في الزراعة قرارًا اقتصاديًا صعبًا، لا مجرد نشاط تقليدي.

ورغم ذلك، لا يمكن فهم أزمة المياه في الأردن باعتبارها نقصًا طبيعيًا فقط فجزء كبير من المشكلة يرتبط بالبنية التحتية، حيث تشير تقارير محلية إلى وجود فاقد في شبكات المياه بسبب التسربات أو الاعتداءات على الخطوط أو ضعف الصيانة وهذا الفاقد يعني ببساطة أن جزءًا من المياه لا يصل أصلًا إلى المستهلك، رغم أنه يتم ضخه من المصدر.

إلى جانب ذلك، تواجه الإدارة المائية تحديات التوزيع بين المناطق، حيث يشعر بعض السكان أن العدالة في التزويد ليست دائمًا متساوية، خصوصًا خلال أشهر الصيف التي يزداد فيها الطلب بشكل كبير.

في المقابل، تعمل الدولة على مشاريع طويلة الأمد لمعالجة الأزمة، أبرزها مشاريع نقل وتحلية المياه الكبرى، التي يُعوَّل عليها لتخفيف الضغط عن المصادر التقليدية ولكن هذه المشاريع، رغم أهميتها، ما زالت تحتاج إلى وقت لتنعكس بشكل ملموس على حياة المواطن اليومية.

التغير المناخي بدوره يضيف طبقة جديدة من التعقيد فأنماط الأمطار أصبحت أقل انتظامًا، ومواسم الجفاف أطول، والاعتماد على المصادر التقليدية للمياه بات أكثر هشاشة من أي وقت مضى وهذا يعني أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بإدارة الموارد، بل بتغيرات أوسع لا يمكن التحكم بها بسهولة.

ورغم كل ذلك، يبقى العنصر الأكثر لفتًا في المشهد هو الإنسان نفسه فالمواطن الأردني الذي تعلّم عبر السنوات كيف يتعامل مع الشحّ كجزء من حياته اليومية فثقافة الترشيد ليست شعارًا هنا، بل ممارسة إجبارية تقريبًا فمن تقليل الاستهلاك، إلى إعادة استخدام المياه، إلى ضبط كل تفصيلة صغيرة داخل المنزل.

لكن هذا “التكيف” لا يجب أن يُفهم على أنه حل بل هو شكل من أشكال التأقلم مع ضغط مستمر، لا أكثر.

في النهاية، قصة الماء في الأردن ليست قصة نقص مورد فقط، بل قصة منظومة كاملة تقف بين تحديات الطبيعة وضغط الواقع وهي قصة صيف يعود كل عام، لكن معه يعود السؤال ذاته، أكثر إلحاحًا من السابق إلى متى يمكن إدارة العطش المؤجل؟

الماء في الأردن لم يعد مجرد خدمة بل أصبح اختبارًا يوميًا لقدرة بلد كامل على الاستمرار تحت ضغط لا يهدأ.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا