فادي السمردلي يكتب: أزمة الأردن الحقيقية…ألثقة
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
ليست المشكلة دائمًا في ما يحدث… بل في كيف يُفهم ما يحدث، وكيف يُستقبل، وكيف يتحول في النهاية إلى شعور عام يرافق الناس في تفاصيل حياتهم اليومية وفي الأردن اليوم، يمكن أن نختلف حول كل شيء تقريبًا الاقتصاد، التعليم، فرص العمل، الأسعار، السياسات، وحتى أولويات المرحلة ولكن هناك شيء واحد يكاد يجمع عليه كثيرون بصمت أو بصوت منخفض أن الثقة أصبحت أصعب مما كانت عليه.
هذه ليست جملة عاطفية، ولا حكمًا عامًا، ولا مبالغة إنها ببساطة انعكاس لحالة تتشكل تدريجيًا، دون ضجيج كبير، لكنها تترك أثرًا عميقًا في الطريقة التي يرى بها المواطن كل ما حوله.
في السابق، كان الخبر الرسمي يُعامل كمرجع أساسي ، قد يُناقش، قد يُنتقد، لكن في النهاية كان يشكل نقطة بداية للفهم أما اليوم، فقد تغير المشهد فصار المواطن لا يكتفي بما يُقال، بل يبحث عن طبقات أخرى من التفسير من يقول؟ ولماذا الآن؟ وما الذي لم يُقل؟ وما الذي سيظهر لاحقًا؟
هذا التحول لا يحدث فجأة، ولا يمكن ربطه بلحظة واحدة فهو نتيجة تراكم طويل من التجارب الفردية والجماعية قرارات شعر الناس أنها لم تنعكس عليهم كما توقعوا، ووعود لم تصل بالشكل الذي كان يُنتظر، وتفسيرات جاءت متأخرة أحيانًا عن الحدث نفسه، فتركت فراغًا ملأه الناس بتأويلاتهم الخاصة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية
فعندما تفقد الثقة، لا يعود الخلاف فقط حول “ما الذي يحدث”، بل يصبح الخلاف حول “هل يمكن تصديق ما يُقال أصلًا؟” وهذه مرحلة أخطر بكثير من مجرد اختلاف في وجهات النظر لأنها تنقل المجتمع من النقاش حول السياسات إلى النقاش حول النوايا.
من السهل أن تختلف مع قرار اقتصادي، أو أن تعترض على سياسة معينة، أو أن تناقش أولوية مشروع وهذا جزء طبيعي من أي مجتمع حي ولكن الأصعب هو عندما يصبح كل قرار محل شك مسبق، وكل إعلان يُقرأ بنية البحث عن ما وراءه، لا ما فيه.
ومع ذلك، من الخطأ أيضًا أن تُقرأ الصورة من زاوية واحدة فقط فالمؤسسات ليست كيانًا بعيدًا عن الواقع، بل هي جزء منه، تعمل ضمن إمكانيات محدودة، وضغوط داخلية وخارجية معقدة، وتوازنات ليست سهلة على الإطلاق وهناك جهود تُبذل بالفعل، وإجراءات تُتخذ، ومحاولات مستمرة لإدارة واقع اقتصادي واجتماعي لا يمكن وصفه بالبساطة.
لكن المشكلة ليست فقط في “ما يُنجز”، بل في “كيف يُفهم هذا الإنجاز”، و”كيف يصل”، و”هل يشعر به الناس أصلًا؟”.
الثقة لا تُبنى بالأرقام وحدها فيمكن أن تتحسن المؤشرات الاقتصادية، ويمكن أن تُعلن خطط تطوير، ويمكن أن تُطلق مشاريع كبيرة، لكن إذا لم يشعر المواطن أن جزءًا من هذه الصورة ينعكس على حياته اليومية، فإن المسافة النفسية بينه وبين هذه الإنجازات ستبقى موجودة.
وهنا يظهر سؤال بسيط لكنه عميق ما الذي يعنيه “التحسن” بالنسبة لشخص يبحث عن وظيفة؟ أو لعائلة تحاول تغطية مصاريفها الشهرية؟ أو لشاب يشعر أن المستقبل يبتعد بدل أن يقترب؟
اللغة هنا مهمة جدًا، ليس فقط في الإعلام، بل في كل مستويات التواصل لأن المشكلة ليست دائمًا في المضمون، بل في الإحساس الذي يتركه هذا المضمون فحين يشعر الناس أن الخطاب العام لا يلامس واقعهم، تبدأ الفجوة في الاتساع، حتى لو كانت النوايا إيجابية.
في كثير من الأحيان، لا يطلب الناس وعودًا جديدة، بقدر ما يطلبون وضوحًا أكبر ولا يريدون تزيين الصورة، ولا تضخيمها، بل يريدون فهمًا صادقًا لما يحدث أين نحن الآن؟ ما الذي يمكن تحقيقه فعلًا؟ وما الذي يحتاج وقتًا أطول؟ وما الذي لا يمكن تحقيقه أصلًا في المدى القريب؟
الوضوح، رغم بساطته، هو أحد أقصر الطرق إلى الثقة…لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية الإحساس بالمشاركة فحين يشعر المواطن أنه مجرد متلقٍ للقرارات، تتراجع الثقة تلقائيًا أما حين يشعر أنه جزء من الفهم، حتى لو لم يكن جزءًا من القرار، فإن العلاقة تتغير لأن الإنسان بطبيعته لا يرفض الحقيقة، لكنه يرفض الإحساس بأنه خارج الصورة.
أزمة الثقة لا تعني انهيار الثقة بالكامل، ولا تعني أن كل شيء فقد معناه لكنها تعني أن هناك حاجة لإعادة بناء هادئة، طويلة، وصادقة ، إعادة بناء لا تعتمد على حدث واحد كبير، بل على سلسلة طويلة من التفاصيل الصغيرة ، مصداقية في المعلومة، واقعية في التوقعات، وصدق في التعامل مع التحديات كما هي، لا كما يُراد أن تُرى فقط.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم هو كيف نُقنع الناس؟ بل كيف نعيد بناء اللحظة التي يصبح فيها التصديق طبيعيًا، وليس استثناءً؟
الكاتب من الأردن