*كلٌ على ذوقك.. والبس على ذوقك!*
د. منى النحلاوي ……
*”كل على ذوقك والبس على ذوقك.. كم من عمر مضى ونحن نرضي الناس على حساب أنفسنا، وضاع العمر ونحن لم نكتشف يوماً اننا بحاجه لإرضاء أرواحنا. كفانا العبث فيها، فقد ثقلت بمواضيع جعلتها تفقد جوهر الانتماء إليها، ولم تقدر أن توازن بين ما هو يرضي وما هو يُرضى له. العبث في النفس البشرية كمن يحمل شعلة الحرية ولكن يجهل أن يشعلها.”*
بهذه الكلمات المختزلة لعمق التجربة الإنسانية، نفكك عقوداً من الوهم الاجتماعي. فالمثل الشعبي الذي نشأنا عليه: *”كل على ذوقك والبس على ذوق الناس”* لم يكن سوى دعوة مبطنة للتنازل الطوعي عن الفردية، وقالب جاهز لصهير الهويات في بوتقة المجموع. لكن الحقيقة الحرة تصرخ فينا اليوم لتصحيح المعادلة: *”كل على ذوقك، والبس على ذوقك”*.
إن المأساة الحقيقية التي نعيشها لا تكمن في خسارة السنين فحسب، بل في ذلك “الاغتراب” الذي نحدثه بأيدينا داخل أرواحنا. عندما تمضي الحياة في محاولة يائسة للموازنة بين ما يرضي تطلعاتنا الحقيقية وما هو “يُرضى له” من قِبل الآخرين، فإننا نثقل كاهل هذه النفس بأعباء غريبة عنها، حتى تفقد بوصلتها وجوهر انتمائها لذاتها.
والعبث الأكبر بالنفس البشرية هو أن تعيش هائمة في عتمة التبعية، وهي تمتلك في الأصل كل مقومات التنوير. إنه يشبه تماماً حال من يحمل في يده شعلة الحرية والوعي، لكنه إما يجهل كيف يوقدها، أو يخشى أن يتسبب نورها في إزعاج السائرين في الظلام من حوله.
لقد حان الوقت لتتوقف هذه الأرواح عن إرضاء الجميع على حساب ذاتها، وأن تدرك أن الانتماء الأول والأخير يجب أن يكون للنفس وأصالتها. إشعال الشعلة قد يتطلب شجاعة، لكنه الطريق الوحيد لنعيش الحياة كما هي، لا كما يريدها الآخرون لنا.
باحثه في القضايا الاجتماعية
الكاتبة أردنية
تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية