فادي السمردلي يكتب: فاتورة الكهرباء… كابوسٌ شهري
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
في كل شهر، لا تختلف المشاهد كثيرًا داخل البيوت الأردنية نفس اللحظة التي يصل فيها إشعار فاتورة الكهرباء، ونفس الصمت الذي يسبق فتحها، ثم نفس ردّة الفعل التي تتراوح بين الصدمة والحسابات السريعة لإعادة ترتيب أولويات الشهر القادم فلم تعد الفاتورة مجرد رقم عابر في خانة المصاريف، بل أصبحت معيارًا يحدد شكل الحياة داخل المنزل، وما إذا كانت بعض الكماليات ستبقى أو تُلغى بالكامل.
في أحد أحياء العاصمة، تقول أم لثلاثة أطفال إن “الخوف من الفاتورة” بات شعورًا ثابتًا كل شهر فتشرح كيف تحوّل استخدام الأجهزة الكهربائية إلى حساب دقيق تشغيل المكيف في الصيف لساعات محدودة، تأجيل استخدام بعض الأجهزة، وحتى التفكير مرتين قبل تشغيل الغسالة فلم يعد الأمر متعلقًا بالراحة فقط، بل بإدارة دقيقة لاستهلاك الكهرباء وكأن كل كيلوواط يُحتسب على حساب شيء آخر في الحياة اليومية.
هذا المشهد لا يبدو حالة فردية، بل يتكرر بصيغ مختلفة في معظم البيوت فالموظف الذي يعتمد على راتب ثابت يجد نفسه أمام معادلة صعبة فاتورة كهرباء ترتفع أو تبقى ضمن حدود مرتفعة أصلًا، مقابل التزامات لا تنتظر مثل الإيجار، الأقساط، وفواتير الماء والاتصالات ومع ثبات الدخل تقريبًا، تصبح أي زيادة في الكهرباء بمثابة اقتطاع مباشر من احتياجات أساسية أخرى.
الأكثر تأثيرًا أن الكهرباء لم تعد ترتبط فقط بالإنارة أو التبريد، بل أصبحت جزءًا من كل تفاصيل الحياة التعليم عن بعد، الأجهزة الذكية، العمل من المنزل، وحتى الترفيه البسيط داخل البيت وبالتالي فإن أي ارتفاع في الفاتورة لا يعني فقط زيادة مالية، بل ضغطًا مباشرًا على نمط الحياة كله.
في المقابل، يحاول البعض التكيف عبر حلول مختلفة، مثل تقليل ساعات استخدام الأجهزة أو البحث عن بدائل أقل استهلاكًا، بينما اتجه آخرون نحو الطاقة الشمسية رغم كلفتها الأولية المرتفعة ولكن هذا الخيار نفسه يعكس فجوة واضحة بين من يستطيع الاستثمار في حلول طويلة الأمد، ومن يبقى عالقًا في دائرة الدفع الشهري المتكرر دون مخرج حقيقي.
اللافت أن ارتفاع فاتورة الكهرباء لا يُنظر إليه فقط كمسألة اقتصادية، بل كعامل نفسي أيضًا فكثيرون يتحدثون عن “القلق الشهري” الذي يسبق موعد صدور الفاتورة، وعن شعور دائم بعدم القدرة على التنبؤ بالمبلغ النهائي، خصوصًا في فصول الصيف والشتاء حيث يرتفع الاستهلاك بشكل واضح وهذا القلق يتحول تدريجيًا إلى ضغط مستمر يرافق الأسرة طوال الشهر، وليس في يوم صدور الفاتورة فقط.
من جهة أخرى، يرى مواطنون أن المشكلة لا تتعلق بالاستهلاك الفردي فقط، بل بمنظومة كاملة تشمل تسعير الكهرباء، وكلفة الإنتاج، وسياسات الدعم، وهي عوامل لا تكون واضحة دائمًا للمستهلك العادي، الذي يواجه النتيجة النهائية في رقم واحد يجب دفعه قبل نهاية المهلة.
ومع استمرار هذا الواقع، تتشكل معادلة صعبة كيف يمكن التوازن بين حق المواطن في خدمة كهرباء مستقرة، وبين قدرته الفعلية على تحمّل الكلفة؟ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يفتح بابًا واسعًا على تفاصيل المعيشة اليومية التي تتغير بصمت، دون أن يشعر بها أحد خارج حدود البيت.
في النهاية، تبقى فاتورة الكهرباء أكثر من مجرد التزام مالي شهري إنها انعكاس مباشر لحياة كاملة تُدار تحت ضغط الأرقام، حيث يحاول المواطن أن يحافظ على الحد الأدنى من الراحة، دون أن تتجاوز الفاتورة سقف قدرته على الاحتمال.
الكاتب من الأردن