ليت شعري! لو نال المستضعفون ربع ما يناله المونديال من اهتمام

طوفان الجنيد  ….

ليس في هذا الحديث تهكمٌ على الرياضة أو التقليل من شأنها، فهي نشاطٌ إنساني يقوم على اللياقة البدنية، والتنافس الشريف، والسعي نحو الفوز والانتصار. لكن، وفي ظلّ الأحداث الجارية، وما تمارسه قوى الاستكبار والغطرسة من جرائم متعمدة، يقف الإنسان حائرًا أمام المستوى الذي وصلت إليه الأمة من صمتٍ وتواطؤٍ وفرجة على تلك الجرائم التي تجري في أكثر من مكان من العالم، كما هو الحال في غزة ولبنان واليمن والعراق وإيران وسوريا وغيرها من مناطق العالم.
فمثلًا، ها هو العالم اليوم يتجه، بنظره الجماعي المثير للدهشة، نحو الملاعب الخضراء في القارة الأمريكية؛ حيث تسكن العواصم، وتُحبس الأنفاس، وتمتلئ الساحات بضجيج الهتاف، ومتابعة دقيقة لكل شاردة وواردة في بطولة كأس العالم 2026. ملايين البشر يتسمرون أمام الشاشات، يتشاركون المشاعر، يحللون التفاصيل، وينفعلون مع كل هدف أو صافرة حكم، في مشهد يجسد أعلى درجات التفاعل الإنساني… ولكن تجاه كرة منفوخة!
وهنا يثور في النفس تساؤل مرير، تختصره آهة حسرة: ليت شعري! لو حظي المظلومون والمستضعفون في هذا العالم بربع هذا الاهتمام، وشيء من تلك المتابعة، وذلك الهتاف الصادق.
التناقض الصارخ وضمير الإنسانية الغائب
إن هذا التناقض الصارخ الذي تعيشه البشرية اليوم يطرح علامات استفهام كبرى حول الضمير الإنساني العام؛ فكيف يمكن لمليار ونصف المليار إنسان أن يجتمعوا على قلب رجل واحد لمؤازرة منتخب، أو البكاء على خسارة فريق، بينما تمر أخبار الإبادة والحصار والتجويع والظلم المسلط على الشعوب المستضعفة كأرقام باردة في شريط الأخبار؟
ولو تحولت هذه الطاقة البشرية الهائلة، حتى بربع التفاعل الذي تحظى به ركلة ترجيح ضائعة، لاهتزّت عروش الظالمين، ولتغيرت موازين القوى على وجه الأرض.
النفاق الدولي و”الغسيل الرياضي”
إن هذا الشغف الجماهيري المفرط يكشف حجم التزييف الذي تمارسه بعض المؤسسات الدولية، وعلى رأسها “الفيفا” واللجنة الأولمبية، التي ترفع شعار “فصل الرياضة عن السياسة” بشكل انتقائي، لحماية الكيان الصهيوني، ومعاقبة الرياضيين الأحرار الذين يرفضون التطبيع معه أخلاقيًا.
هذه المنظومة التي لم تتأخر أيامًا في عزل دولٍ وتجميد نشاطها، تقف عاجزة وصامتة أمام إبادة جماعية تُرتكب علنًا، وتدميرٍ للبنية التحتية الرياضية، وقتل مئات الرياضيين في فلسطين، بينما تمنح القاتل غطاءً شرعيًا للمشاركة في المحافل الدولية تحت مسمى “الروح الرياضية”.
مفارقة الأشقاء: صخب الملاعب وصمت المآسي
أما المشهد الأكثر إيلامًا وإثارةً للأسى، فيتجلى في موقف بعض الأنظمة العربية والإسلامية، التي تُقيم الدنيا ولا تُقعدها حشدًا وتعبئة لمباريات منتخباتها في المونديال؛ نراها تبكي، وتتحمس، وتستنفر إعلامها ودبلوماسيتها لتأمين كل سبل الراحة لبعثاتها الرياضية، في صورة “سيادة” تُمارس على عشب الملاعب.
لكن هذه الحمية تتبخر تمامًا، وتصاب بالشلل، عندما يتعلق الأمر باتخاذ موقف حازم تجاه مشاركة الكيان الصهيوني في المحافل الدولية؛ بل إن بعض هذه الأنظمة، تحت عباءة التطبيع والاتفاقيات المهينة، باتت تقبل وجوده، وتفتح له العواصم، وتمنحه تمريرات سياسية ورياضية باردة.
يا للعجب! تُذرف الدموع على هدف ضائع في المونديال، بينما تسقط آلاف الأرواح في فلسطين ولبنان دون أن تهتز تلك الضمائر الرسمية، ليبقى شرف المواجهة الحقيقي في الميدان لأصحاب المقاومة والصمود.
خاتمة: البطولة الحقيقية وغياب الوعي الإنساني
ليت شعري، لو نبضت القلوب لآلام المقهورين كما تنبض لإثارة الملاعب، لكانت الإنسانية اليوم في حالٍ أفضل. لكن الأمل يبقى معقودًا على وعي الشعوب الحرة، التي تدرك أن نصرة المظلوم ومقاطعة القاتل هي البطولة الحقيقية التي تستحق المتابعة والمؤازرة حتى الرمق الأخير.
لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، على ما وصل إليه المستوى الأخلاقي للإنسانية من تيهٍ وموتٍ للضمائر.
والتحية كل التحية لكل الشرفاء وأحرار العالم، والعار كل العار للمتواطئين والخانعين، ولا نامت أعين الجبناء.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا