الولاء للوطن أم للمنصب؟

محي الدين غنيم   ……

في الدول التي ترسخت فيها قيم المواطنة الحقيقية، يبقى الولاء للوطن ثابتاً لا يتغير بتغير المواقع والمناصب. أما حين يصبح الولاء مرتبطاً بالكرسي والمنصب والمكاسب الشخصية، فإننا نكون أمام ظاهرة خطيرة تهدد منظومة القيم الوطنية وتكشف هشاشة الانتماء لدى البعض.
وبكل أسف، نلاحظ بين الحين والآخر أن بعض المسؤولين، ما إن يغادروا مواقعهم أو يتم الاستغناء عن خدماتهم، حتى يتحول خطابهم بصورة مفاجئة من الإشادة بالوطن ومؤسساته إلى الهجوم والتشكيك والتشويه، وكأن الوطن كان بالنسبة لهم مجرد منصب أو امتيازات، لا قضية وانتماء ورسالة.
الوطن أكبر من أي مسؤول، وأبقى من أي منصب، وأسمى من أي مصلحة شخصية. فمن يحب وطنه حقاً يبقى داعماً له في موقع المسؤولية وخارجها، وينتقد من أجل الإصلاح لا من أجل الانتقام، ويختلف دون أن يتحول إلى أداة بيد أصحاب الأجندات المشبوهة الذين يتربصون بالأوطان ويبحثون عن كل ثغرة للنيل من أمنها واستقرارها.
إن المسؤول الحقيقي هو الذي يغادر منصبه مرفوع الرأس، تاركاً خلفه سيرة طيبة وإنجازاً يذكره الناس به، لا أن يتحول إلى معول هدم أو منصة لتصفية الحسابات الشخصية. فالوطن ليس فندقاً نقيم فيه ما دامت مصالحنا قائمة، ثم نهاجمه عندما تتوقف تلك المصالح.
اليوم نحن بحاجة إلى ترسيخ ثقافة الولاء للوطن والدولة ومؤسساتها، لا للأشخاص ولا للمناصب. فالمناصب زائلة، أما الأوطان فباقية، ومن يثبت صدق انتمائه هو من يبقى وفياً لوطنه في الرخاء والشدة، في الموقع وخارجه، لأن حب الوطن لا يقاس بما نحصل عليه منه، بل بما نقدمه له.
فالولاء الحقيقي لا ينتهي بقرار إعفاء أو تقاعد أو تغيير موقع، بل يبقى راسخاً ما دام الوطن باقياً في القلوب والعقول.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا