حين تعزف الحكومات على سطح التايتنك”

بقلم العقيد المتقاعد ليث المجالي  …..

 

عندما كانت سفينة تايتنك تغرق وسط الظلام والجليد والموت، كان هناك من يحاول النجاة، ومن يطلق نداءات الاستغاثة، ومن يبحث عن قوارب الإنقاذ، ومن يجتهد في مواجهة الكارثة بما يملك من قدرة وإمكانات.

لكن المشهد الذي بقي عالقاً في ذاكرة التاريخ كان مشهد الفرقة الموسيقية التي استمرت في العزف، وكأن شيئاً لم يحدث، بينما كانت السفينة تمضي نحو مصيرها المحتوم. البعض رأى في ذلك بطولةً وشجاعة، لكن آخرين رأوه انفصالاً عن الواقع وعجزاً عن إدراك حجم الخطر المحدق.

واليوم، وأنا أتأمل ما يحيط بالوطن من تحديات اقتصادية واجتماعية ومعيشية تتراكم فوق كاهل الناس، أتذكر ذلك المشهد كثيراً. فبينما ينتظر المواطن حلولاً حقيقية تعالج الأزمات وتفتح أبواب الأمل، ما زلنا نسمع الألحان ذاتها والخطابات ذاتها والوعود ذاتها، وكأن المطلوب أن نُحسن الاستماع للموسيقى لا أن نُصلح السفينة.

إن الأوطان لا تُدار بالألحان الجميلة ولا بالشعارات المكررة، بل بالقرارات الشجاعة والرؤى العميقة والقدرة على مواجهة الواقع كما هو لا كما نرغب أن يكون.

وما بين موسيقى تايتنك والقرارت الحكومة ، يبقى السؤال المؤلم: هل نحن أمام من يبحث عن قوارب النجاة، أم أمام من يتقن العزف بينما تتسع الشقوق في جسد السفينة؟
“في تايتنك كان العازفون يدركون أن السفينة تغرق، فاختاروا أن يعزفوا لوداعها الأخير. أما المأساة الكبرى أن يستمر العزف اليوم، بينما يُطلب من الركاب أن يصدقوا أن السفينة بخير.”

الأوطان لا تحتاج إلى مزيد من العازفين على سطح السفينة، بل إلى رجال ينزلون إلى غرفة المحركات حيث تبدأ الأزمات الحقيقية.”

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا