ما بين إعلانٍ مفتوح وامتحانٍ تنافسي، أصبح الامتحان موسماً أردنياً ثابتاً، لا يقل شهرة عن مواسم الزيتون والثلج

بقلمي :أية حسن البداوي  ……

 

أصل إلى مكان الامتحان مبكراً، فأشعر أنني في محطة سفر لا في قاعة توظيف. ألتفت حولي فأسمع الحكايات نفسها التي تتكرر كل عام، لكن بأبطال جدد وأحلام أكثر تعباً.

“مرحبا، من وين جاية؟”

“أنا من السلط .”

فترد الأخرى وهي تضحك:

“وأنا من العقبة .”

وتشير إلى مجموعة بنات يحملن ملفات وأكواب قهوة:

“وهذول جايين من الكرك، طالعين الفجر، شكلهم عاملين رحلة مدرسية مش امتحان توظيف.”

وترد واحدة منهن:

“والله لو في علامات على عدد الكيلومترات اللي قطعناها كان تعينّا من زمان!”

في زاوية أخرى، حلقة نقاش لا تقل أهمية عن جلسات الأمم المتحدة.

“على شو درستي و ركزتي بالدراسة؟”

“والله يومين وأنا بدرس بالمصفوفة والكفايات والتخصص.”

“وأجت؟”

“إذا قصدك المصفوفة… شكلها ضلت بالبيت.”

فتنفجر البنات بالضحك الذي يشبه البكاء أكثر مما يشبه الفرح.

وفجأة تخرج فتاة من إحدى القاعات، فتتحول خلال ثوانٍ إلى مصدر استخبارات رسمي.

الجميع يركض نحوها:

“شو أجى؟”

“كيف الأسئلة؟”

“ركّزوا على شو؟”

“صعبة؟ سهلة؟”

فتقف مصدومة وكأنها خرجت من معركة:

“والله ما عرفت شو بدي أحكيلكم… الأسئلة صعبة، ومش مباشرة، وكل سؤال بتحسيه بده سؤال يفسره.”

فتعم لحظة صمت قصيرة، ثم يقول أحدهم:

“يعني نكمل توكلنا على الله.”

ومن بعيد يرتفع صوت العسكري الذي نحفظه أكثر من بعض المواد الدراسية:

“يلا… اللي رايح على قاعات وصفي وهزاع عاليمين… قاعة 1 و2 يطلعوا عالدرج اللي فوق… يلا يا شباب يلا يا صبايا … بسرعة.”

فتتحرك الجموع كأنها تعرف هذا السيناريو عن ظهر قلب. بعضهم يركض، وبعضهم يراجع ملخصاً أخيراً، وبعضهم يحدق في الفراغ وكأنه يفاوض ذاكرته على ما تبقى من معلومات.

لكن أكثر ما يوجعني ليس الامتحان.

ما يوجعني تلك الوجوه.

شاب بدأ الشيب يغزو رأسه، وفتاة تجاوزت الأربعين ما زالت تحمل ملفها بنفس الأمل الذي حملته وهي في العشرين. رجال ونساء أنهكتهم السنوات، لكنهم ما زالوا يقفون في الطابور نفسه، ينتظرون الفرصة نفسها، ويحملون السؤال نفسه:

“يمكن هالمرة.”

أرى أماً جاءت مع زوجها وأطفالها الصغار. طفل نائم على كتف أبيه، وآخر يمسك بيد أمه وهي تراجع آخر ورقة قبل الدخول.

تقول لزوجها:

“ادعِ لي.”

فيجيبها:

“إن شاء الله خير.”

فتبتسم وتقول الجملة التي سمعتها مئات المرات في ساحات الامتحانات:

“بلكي زبطت هالمرة… بلكي تعينت.”

في تلك اللحظة أدرك أن هذا المكان ليس مجرد قاعة امتحان.

إنه قاعة انتظار كبيرة للأحلام.

أحلام خرجت من العقبة ومعان والكرك وإربد والسلط والطفيلة والمفرق، وجمعتها بضع ساعات تحت سقف واحد.

ندخل جميعاً ونحن نعرف أن المقاعد أقل من الأحلام بكثير، لكننا نحاول.

نحاول لأن الأردني تعلّم أن الأمل ليس شعوراً… بل عادة.

ولهذا، رغم التعب والسنوات والخيبات، ورغم أننا نحفظ طريق الامتحان أكثر مما نحفظ طريق الوظيفة نفسها، نعود كل عام، نحمل ملفاتنا، ونرتدي تفاؤلنا القديم، ونقول لأنفسنا:

“يمكن تزبط هالمرة…”

ثم نجلس أمام الورقة، لنكتشف أن السؤال الأصعب لم يكن في الامتحان أبداً…

بل كان دائماً:
متى يأتي الدور؟

تعبنا من الركض خلف وظيفة تبدو أحياناً كسراب في صحراء الشهادات. تعبنا من أن نكون مؤهلين بما يكفي للعمل، لكن غير محظوظين بما يكفي للحصول عليه.

ومع ذلك… نستيقظ كلما ظهر إعلان جديد، ونقول لأنفسنا: “يمكن هالمرة.” فالأردني لا يعيش على الراتب الذي لم يأتِ بعد فقط، بل يعيش أيضاً على جرعة أمل يومية، تثبت حتى الآن أنها أطول عقد عمل حصل عليه في حياته

حاولت بشوية كلام اوصف حالي و اوصف مرحلة صارت عادة عنا كل سنة فشة غل .

قد يعجبك ايضا