فادي السمردلي يكتب: موازنة 2027 تحت المجهر دولة تُقلّص إنفاقها وتعيد تعريف أولوياتها
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
بدأت الحكومة ملامح إعداد موازنة عام 2027 بإصدار تعميم مالي جديد حمل رسائل واضحة لا تحتمل التأويل، عنوانها الأبرز ضبط الإنفاق العام وإعادة هيكلة طريقة إدارة المال العام من جذورها.فالتعميم لم يكن إجراءً تقنياً روتينياً، بل بدا أقرب إلى إعلان مرحلة مالية جديدة تقوم على تشديد الرقابة ووضع حدود صارمة مسبقة لما يمكن أن تنفقه كل وزارة ومؤسسة، قبل حتى الدخول في تفاصيل الأرقام النهائية للموازنة.
هذا التعميم الحكومي يعني عملياً الانتقال من نهج “طلب الاحتياجات ثم النقاش عليها” إلى نهج مختلف تماماً يقوم على “سقف محدد مسبقاً لا يمكن تجاوزه”. أي أن كل وزارة أصبحت مطالبة بأن تُعيد ترتيب أولوياتها من الداخل، وأن تختار بعناية ما يمكن تمويله وما يجب تأجيله أو الاستغناء عنه، في ظل واقع مالي لا يسمح بالمرونة السابقة نفسها وهو ما يعكس توجهاً واضحاً نحو ضبط العجز وتقليل الاعتماد على التوسع في الإنفاق التشغيلي.
في هذا السياق، تظهر موازنة 2027 كمحطة اختبار حقيقية لقدرة الدولة على الانتقال إلى نموذج أكثر انضباطاً في إدارة المال العام فبدلاً من توسع الإنفاق التقليدي، تتجه السياسات إلى تقليص المصاريف التشغيلية اليومية التي تستهلك جزءاً كبيراً من الموارد، لصالح توجيه أكبر نحو المشاريع ذات الأثر المباشر، خاصة في مجالات التنمية والخدمات الأساسية.
التحول الأهم لا يقتصر على الأرقام فقط، بل يمتد إلى طريقة التفكير داخل المؤسسات الحكومية فالمطلوب اليوم ليس مجرد تقليل الإنفاق، بل إعادة تعريف مفهوم الأولوية نفسه وما الذي يعتبر ضرورياً فعلاً؟ وما الذي يمكن تأجيله دون أن يؤثر على سير الخدمات العامة؟ هذا النوع من الأسئلة أصبح جزءاً أساسياً من عملية إعداد الموازنة، وهو ما يفرض ضغطاً إدارياً وتنظيمياً على مختلف الوزارات.
وفي ظل هذا النهج، تبدو موازنة 2027 أقرب إلى مشروع إعادة ضبط شامل، لا مجرد خطة مالية سنوية فهي تعكس اتجاهاً واضحاً نحو دولة أكثر انضباطاً في الإنفاق، وأكثر حذراً في توزيع الموارد، مع محاولة موازنة دقيقة بين متطلبات الاستقرار المالي من جهة، واستمرار تقديم الخدمات العامة من جهة أخرى.
لكن التحدي الحقيقي يبقى في التنفيذ، فنجاح هذا التوجه لن يُقاس بحجم التخفيضات وحدها، بل بقدرة الحكومة على الحفاظ على كفاءة الخدمات وعدم تأثر المواطن بشكل مباشر، في وقت تتقلص فيه الهوامش المالية تدريجياً وبين الضغط المالي والحاجة للاستمرار في التنمية، تقف موازنة 2027 أمام اختبار دقيق يعيد رسم شكل العلاقة بين الدولة وإنفاقها العام.
الكاتب من الأردن