فادي السمردلي يكتب:التجاوز الصغير يولد الفساد الكبير
بقلم فادي زواد السمردلي …..
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
حين يُترك الخطأ الصغير بلا ردّ، لا يبقى صغيرًا طويلًا فيتحول مع الوقت إلى سلوك مألوف، ثم إلى نمط، ثم إلى واقع يفرض نفسه داخل أي منظومة ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية ليس من حجم التجاوز، بل من السكوت عنه في لحظته الأولى.
التجاوزات المالية أو الإدارية لا تحتاج إلى أن تكون كبيرة حتى تُحدث أثرها فأحيانًا يبدأ الأمر بتأخير غير مبرر، أو تجاوز لصلاحية، أو استخدام غير منضبط للموارد، أو قرار يُتخذ خارج الإطار المفترض فهذه التفاصيل الصغيرة، إذا لم تُواجه في وقتها، تتحول تدريجيًا إلى ثغرات واسعة في بنية العمل، وتفتح الباب أمام ممارسات يصعب لاحقًا ضبطها أو احتواؤها.
العدالة الحقيقية لا تُقاس بوجود القوانين فقط، بل بكيفية تطبيقها في اللحظة التي يُختبر فيها النظام فالقانون الذي لا يُفعّل عند أول اختبار يفقد شيئًا من هيبته، ومع كل مرة يُتجاوز فيها دون محاسبة، تتآكل فكرة الانضباط داخل المنظومة وهنا يصبح السؤال الأهم: هل يُنظر إلى القاعدة على أنها ملزمة للجميع، أم أنها قابلة للتجاوز بحسب الظروف والعلاقات؟
إن قوة أي منظومة لا تأتي من كثرة تعليماتها، بل من وضوح حدودها، ومن الحزم في التعامل مع أي خروج عنها، مهما كان بسيطًا أو مبررًا في ظاهره فالتجربة تثبت أن التساهل في البداية لا يبقى محدودًا، بل يخلق مساحة رمادية تتوسع مع الوقت، حتى يصبح من الصعب التمييز بين الخطأ والاستثناء، وبين الاستثناء والقاعدة.
ومن أخطر ما يمكن أن يصيب أي بيئة عمل هو فقدان الثقة في العدالة الداخلية فعندما يشعر الأفراد أن التجاوز يمكن أن يمر دون مساءلة، تبدأ حالة من الإحباط الصامت، ويتراجع الإحساس بالإنصاف، ويضعف الالتزام التدريجي بالمعايير ليس لأن الجميع يرغب في الخطأ، بل لأن البيئة نفسها لم تعد ترسل رسالة واضحة بأن القواعد تُحترم وتُطبق على الجميع دون استثناء.
كما أن حماية المال العام لا تنفصل عن هذا السياق. فكل تجاوز مالي، مهما بدا بسيطًا، هو في جوهره مساس بحق جماعي، وليس مجرد خلل إداري فردي فالتعامل الحازم مع هذه الحالات لا يعني التشدد غير المبرر، بل يعني حماية التوازن العام داخل المنظومة، وضمان ألا تتحول الموارد إلى مساحة للاجتهاد غير المنضبط أو الاستخدام غير المشروع.
الحزم هنا ليس رد فعل، بل ثقافة ،ثقافة تبدأ من الاعتراف بأن التأخير في معالجة الخطأ أخطر من الخطأ نفسه أحيانًا. فالمشكلة لا تكمن فقط في وقوع التجاوز، بل في السماح له بأن يستقر ويُعاد إنتاجه بصور مختلفة. وكلما تأخر التصحيح، أصبح أصعب وأكلف على الجميع.
إن ترسيخ العدالة داخل أي منظومة يعتمد على ثلاث ركائز أساسية.وضوح القاعدة، وسرعة التعامل مع المخالفة، وتطبيق المسؤولية دون انتقائية وعندما تجتمع هذه العناصر، تتشكل بيئة أكثر توازنًا، تقل فيها الانحرافات، وتزداد فيها الثقة، ويصبح الالتزام هو السلوك الطبيعي وليس الاستثناء.
في النهاية، ليست القوة في كثرة الإجراءات بعد وقوع الخطأ، بل في القدرة على منعه من التكرار منذ لحظته الأولى فكل تجاوز يُترك دون ردع هو رسالة ضمنية تسمح بغيره، وكل قرار حازم في وقته هو خطوة إضافية نحو منظومة أكثر عدلاً واستقرارًا، تحمي الحقوق وتُبقي المصلحة العامة في مكانها الصحيح، دون تهاون أو تأخير.
الكاتب من الأردن