هيبة رجال الدين فوق تصفية الحسابات… وسوريا اليوم بحاجة إلى التسامح لا الانتقام
محي الدين غنيم …..
إن الدول لا تُبنى بروح الانتقام، وإنما تُبنى بالعدالة والمصالحة وطيّ صفحات الماضي بما يحفظ كرامة الجميع ويؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا.
وقد تابعت باهتمام الأنباء المتداولة حول محاكمة مفتي الجمهورية العربية السورية السابق سماحة الشيخ بدر الدين حسون، وهو رجل عرفته عن قرب خلال مشاركتي في مؤتمرات التقريب بين المذاهب الإسلامية التي انعقدت في سوريا. لمست فيه هدوءًا في الطبع، ورصانة في الحديث، وصوتًا يدخل القلوب قبل الآذان.
قد يختلف الناس في تقييم المواقف السياسية، لكن من المهم التمييز بين المسؤولية القانونية الفردية وبين الاختلاف في الرأي أو الموقف السياسي. فالشيخ بدر الدين حسون كان يشغل منصب مفتي الجمهورية في ظل الدولة السورية آنذاك، ومن الطبيعي أن يكون موقفه منسجمًا مع مؤسسات الدولة التي كان يمثلها، كما هو حال كثير من رجال الدين الرسميين في مختلف الدول العربية والإسلامية الذين يعبرون عن مواقف دولهم.
لقد عاشت سوريا سنوات عصيبة، سالت فيها الدماء، وتعرض شعبها لمعاناة كبيرة، كما فقد الشيخ بدر الدين حسون نجله في حادثة اغتيال مؤلمة، وهو حدث ترك أثرًا إنسانيًا بالغًا لا يمكن تجاهله.
واليوم، وبعد تغير المشهد السياسي، يبقى السؤال المشروع: هل مصلحة سوريا تكمن في استمرار فتح ملفات الماضي بروح تصفية الحسابات، أم في ترسيخ العدالة وفق القانون، مع العمل على تحقيق المصالحة الوطنية التي تجمع السوريين ولا تفرقهم؟
إن سوريا، وهي تدخل مرحلة جديدة، أحوج ما تكون إلى خطاب يجمع أبناءها، وإلى فتح أبواب المشاركة في إعادة بناء الوطن، بعيدًا عن منطق الإقصاء والكراهية. فالعدالة الحقيقية تقوم على المحاسبة العادلة وفق القانون، مع احترام الحقوق والضمانات القضائية، وليس على الانتقام.
ومن هذا المنطلق، أوجه رسالة إلى السيد الرئيس أحمد الشرع، راجيًا أن تكون المرحلة المقبلة عنوانها التسامح الوطني، والحفاظ على مكانة المؤسسات الدينية وهيبتها، والعمل على لمّ شمل السوريين جميعًا، لأن الأوطان لا تنهض إلا عندما تتسع للجميع، ويعلو فيها صوت الحكمة على صوت الخصومة.
حفظ الله سوريا وشعبها، وألهم أبناءها الحكمة، وجعل مستقبلها قائمًا على العدالة والمصالحة والاستقرار.
الكاتب من الأردن