فادي السمردلي يكتب:انتهى الحلم.. ماذا كسب الأردن من أول مشاركة مونديالية في تاريخه؟
بقلم فادي زواد السمردلي ……
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
انتهت رحلة المنتخب الأردني في كأس العالم ، وانتهت معها حالة استثنائية عاشها الأردنيون لأشهر طويلة منذ لحظة حجز بطاقة التأهل التاريخية وحتى آخر دقيقة في مشوار النشامى على الملاعب العالمية ورغم أن الخروج من البطولة ترك شعوراً بالحسرة لدى الجماهير التي كانت تتطلع إلى إنجاز أكبر، إلا أن تقييم المشاركة لا يمكن أن يُختزل في نتائج المباريات أو عدد النقاط المحققة.
ففي كرة القدم، كما في الحياة، ليست كل النجاحات مرتبطة بالنهايات السعيدة، بل أحياناً تكون الخطوة الأولى نحو القمة هي الإنجاز الحقيقي.وهذا ما ينطبق على الأردن الذي نجح في تحقيق حلم راود أجيالاً من اللاعبين والجماهير، عندما أصبح واحداً من المنتخبات المشاركة في أكبر حدث رياضي على وجه الأرض.
لقد كان مجرد سماع اسم الأردن بين المنتخبات المتأهلة إلى كأس العالم لحظة تاريخية بكل المقاييس دولة صغيرة بإمكانات محدودة مقارنة بكبار اللعبة، لكنها استطاعت أن تجد لنفسها مكاناً بين نخبة منتخبات العالم فهذا الإنجاز وحده كفيل بأن يُكتب في ذاكرة الرياضة الأردنية لعقود طويلة.
وخلال فترة البطولة، عاش الأردنيون حالة من الوحدة الوطنية نادراً ما تتكرر فالمقاهي امتلأت بالمشجعين، والشوارع ازدانت بالأعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى مساحة دعم ومساندة للمنتخب فلم يكن الأمر يتعلق بكرة القدم فقط، بل بشعور جماعي بالفخر والانتماء، وبإيمان بأن الأردن قادر على تحقيق ما كان يُعتقد سابقاً أنه مستحيل.
وعلى المستوى الفني، قدمت المشاركة دروساً لا تقدر بثمن فمواجهة منتخبات تملك تاريخاً طويلاً في كأس العالم تختلف تماماً عن أي منافسة قارية أو إقليمية فهناك تتكشف الفوارق في التفاصيل الصغيرة ،في سرعة اللعب، والجاهزية البدنية، والعمق التكتيكي، والخبرة في التعامل مع الضغوط. وربما كانت هذه الدروس من أهم المكاسب التي خرج بها المنتخب الأردني.
لقد أظهرت البطولة أن الكرة الأردنية قطعت شوطاً مهماً في التطور، لكنها في الوقت ذاته كشفت حجم العمل المطلوب للوصول إلى مستويات أعلى فالتأهل إلى كأس العالم كان إنجازاً عظيماً، لكن المحافظة على هذا الحضور وتحويله إلى أمر متكرر يحتاج إلى مشروع طويل الأمد يبدأ من الفئات العمرية ولا ينتهي عند المنتخب الأول.
كما منحت المشاركة اللاعبين الأردنيين فرصة نادرة للظهور أمام العالم فبطولات كأس العالم ليست مجرد منافسات رياضية، بل منصات عالمية تتابعها الأندية الكبرى والكشافون ووكلاء اللاعبين وكل دقيقة لعبها اللاعب الأردني على هذا المسرح كانت بمثابة بطاقة تعريف جديدة لكرة القدم الأردنية وقدراتها البشرية.
ومن زاوية أخرى، حقق الأردن مكاسب معنوية وإعلامية كبيرة فقد ظهر اسم الأردن في وسائل الإعلام العالمية، وتعرف ملايين المتابعين على بلد استطاع أن يصنع قصة ملهمة في عالم كرة القدم وفي زمن أصبحت فيه الصورة الذهنية للدول جزءاً من قوتها الناعمة، فإن هذا الحضور الدولي يمثل قيمة تتجاوز حدود الرياضة نفسها.
لكن المكسب الأهم ربما يكمن في تغيير العقلية الرياضية لدى الأجيال القادمة فالأطفال الذين شاهدوا منتخب بلادهم في كأس العالم لن يكبروا وهم يعتبرون التأهل إلى المونديال حلماً بعيد المنال، بل هدفاً واقعياً يمكن تحقيقه وهذه النقلة الذهنية هي أساس بناء الطموح الرياضي لأي أمة.
صحيح أن الجماهير كانت تتمنى استمرار الحلم لفترة أطول، وأن نتائج بعض المباريات لم تكن بالمستوى الذي يرضي التطلعات، إلا أن الحكم العادل على التجربة يقتضي النظر إلى الصورة الكاملة فالأردن لم يخسر فقط أو يفز فقط، بل اكتسب خبرة، وحضوراً، وثقة، وإيماناً بقدرته على المنافسة.
اليوم، وبعد إسدال الستار على أول مشاركة مونديالية في تاريخ المملكة، يقف الأردن أمام مفترق طرق مهم فإما أن تُعامل هذه المشاركة كذكرى جميلة تُروى للأجيال، وإما أن تكون نقطة انطلاق نحو مشروع رياضي حقيقي يبني على ما تحقق ويستثمره للمستقبل.
لقد انتهى الحلم المونديالي الأول، لكن ما كسبه الأردن قد يكون أكبر بكثير من مجرد عبور دور أو تحقيق نتيجة فقد كسب مكاناً في التاريخ، وكسب احترام منافسيه، والأهم أنه كسب إيمان شعب كامل بأن المستحيل ليس سوى هدف لم يُحاول أحد الوصول إليه بعد.