فلسطين حبٌّ لا يُمحى في القلب وولاءٌ لا تذروه رياح الزمن

بقلم الكاتبة اليمنية:عفاف فيصل صالح  ….

 

حين يُراد للحق أن يُطمس، تُفتح الأبواب على مصاريعها أمام حملاتٍ لا تملك من الحقيقة إلا عكسها، ولا من التاريخ إلا محاولة تشويهه. غير أنّ فلسطين ليست صفحةً يمكن اقتلاعها من كتاب الوجود، ولا فكرةً قابلةً للمحو مهما اشتدت العواصف، ولا شعبًا يمكن إخراجه من ذاكرة الأرض التي سكنها منذ فجر التاريخ.

إن محاولة قلب الوقائع، أو إعادة صياغة المأساة بما يخدم رواية المعتدي، ليست إلا امتدادًا لصراعٍ قديم بين الحقيقة والزيف. لكن الحقيقة، مهما أُحيطت بالضجيج، تبقى أهدأ من الأكاذيب وأبقى من الدعاية، لأنها لا تحتاج إلى تزيين، بل إلى عينٍ ترى وقلبٍ ينصف.

فلسطين التي يُراد لها أن تُقدَّم كقضية بلا جذور، هي ذاتها الأرض التي حملت ملامح الإنسان الفلسطيني قرونًا طويلة، وعرفت في موانئها ومدنها وقراها حياةً نابضة بالعلم والزراعة والتجارة والثقافة، قبل أن تعصف بها رياح النكبة وتقتلع أهلها من بيوتهم لا من ذاكرتهم. فالأرض قد تُغتصب، لكن الانتماء لا يُغتصب، والتاريخ لا يُصادر، والهوية لا تُمحى بقرار.

لقد خرج الفلسطيني من بيته مكرهًا، لكنه لم يخرج من وطنه قلبًا وروحًا. حمل المفتاح كما يحمل العهد، وحمل الذاكرة كما يحمل الإيمان، وظلّ يقاوم الفقدان بالثبات، والشتات بالانتماء، والخذلان بالصبر الطويل الذي لا يلين. وفي كل مكان حلّ فيه، لم يكن لاجئًا فقط، بل كان شاهدًا حيًا على أن الإنسان حين يُسلب حقه لا يفقد قيمته، بل يزداد تمسكًا بها.

أما محاولات تحميل الضحية مسؤولية مأساتها، فهي ليست قراءة للتاريخ، بل انحراف عن أخلاقية النظر إلى الإنسان بوصفه إنسانًا. فالتاريخ لا يُكتب بالانحياز، ولا يُفهم بعيونٍ مغلقة على معاناة شعبٍ كامل، بل يُقرأ بضميرٍ يعرف الفرق بين من يملك الأرض ومن يُنتزع منها قسرًا.

ورغم كل ما مرّ به الفلسطيني من ألمٍ وتشريدٍ وحصار، ظلّ حاضرًا في ميادين العلم والعمل والبناء، ينهض من رماد المحنة ليصنع أثره في كل مكان، وكأن الغياب القسري لم ينجح في اقتلاع جذوره، بل زادها عمقًا في تربة الإصرار. إنها مفارقة الإنسان الذي يُراد له أن ينكسر، فيحوّل انكساره إلى شكلٍ آخر من أشكال البقاء.

إن حملات التشويه، مهما ارتفعت أصواتها، لا تستطيع أن تُبدّل حقيقةً رسختها عقودٌ من الصمود. فالشعوب لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما تفعله حين تُوضع في اختبار الوجود ذاته. وفلسطين، في هذا الاختبار الطويل، لم تسقط من الذاكرة، ولم تتراجع من الوجدان، ولم تُبدّل انتماءها ولو للحظة.

سيبقى الفلسطيني كما كان: ثابتًا على أرضه في المعنى، وإن غاب عنها في الجغرافيا، متشبثًا بحقه كما يتشبث الجبل بجذوره، مؤمنًا بأن الحق قد يُؤجل لكنه لا يُهزم، وأن الذاكرة الجماعية أقوى من محاولات الطمس، وأن للأرض أصحابًا لا تغيّرهم الأزمنة ولا تُبدلهم الروايات.

فلسطين ليست رواية تُروى، بل حقيقة تعيش، ولا قضية تُناقش فحسب، بل قدر شعبٍ اختار أن يبقى، وسيبقى.

الكاتبة من اليمن

قد يعجبك ايضا