فادي السمردلي يكتب: المصلحة الوطنية… لمن؟

بقلم فادي زواد السمردلي  ……

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

في الخطاب الرسمي، تبدو “المصلحة الوطنية العليا” وكأنها مفهوم جامع لا خلاف عليه، شعار يُرفع لتبرير القرارات والسياسات، ومظلّة يُفترض أن تحمي الجميع ولكن عند تفكيك هذا الشعار ومقارنته بالواقع الملموس، يبرز سؤال حاد لا يمكن تجاهله من هو المستفيد الحقيقي؟ هل هي الأغلبية التي تكافح يوميًا لتأمين أساسيات الحياة، أم تلك القلة التي تتضخم امتيازاتها مع كل قرار يُتخذ باسم الوطن؟

ما يجري على الأرض يشي بأن المصلحة الوطنية لم تعد تعني ما يفترض أن تعنيه فبدل أن تكون بوصلة لحماية المجتمع وتعزيز العدالة، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى غطاء لسياسات تُكرّس اختلال التوازن فتُقدَّم هذه السياسات على أنها “إصلاحات” أو “إنجازات”، بينما أثرها الفعلي يظهر في تقليص فرص العمل، وتوسيع رقعة البطالة، وإضعاف الطبقة الوسطى، وترك شرائح واسعة من الناس على هامش الحياة الاقتصادية وهنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا أي مصلحة وطنية هذه التي تتجاهل مواطنيها؟

المفارقة الصادمة أن ما يُسوَّق كنجاح يُقاس بأرقام لا تعكس معاناة الناس فتُعرض مؤشرات النمو والاستثمار وكأنها دليل قاطع على التقدم، بينما في الجهة الأخرى من الصورة، تتزايد الضغوط المعيشية، وتتراجع القدرة الشرائية، وتتآكل فرص العيش الكريم فالمواطن لا يعيش في تقارير، بل في واقع يومي يزداد قسوة وعندما يصبح هذا التناقض صارخًا، يفقد الخطاب الرسمي مصداقيته، ويتحوّل إلى عبىء إضافي على ثقة الناس.

الأخطر من ذلك هو الإحساس المتنامي بالتهميش فحين يشعر المواطن أن صوته غير مسموع، وأن معاناته لا تجد صدى في دوائر القرار، يبدأ الاحتقان بالتشكل ليس لأن الناس ترفض الإصلاح، بل لأنها ترى أن كلفة ما يُسمّى إصلاحًا تُفرض عليها وحدها، بينما تُحمى مصالح فئات محددة دون مساءلة وهذا الاختلال لا يخلق فقط فجوة اقتصادية، بل فجوة نفسية واجتماعية تهدد الاستقرار على المدى البعيد.

لا يمكن لأي دولة أن تدّعي أنها تسير في اتجاه صحيح بينما جزء كبير من شعبها يشعر بأنه خارج الحسابات فالكرامة ليست ترفًا، والعدالة ليست خيارًا انتقائيًا. وعندما تُختزل “المصلحة الوطنية” في أرقام أو مشاريع لا تنعكس على حياة الناس، فإنها تفقد جوهرها الحقيقي فالمصلحة الوطنية، في معناها الصادق، تبدأ من الإنسان من حقه في العمل، في الأمان الاقتصادي، في أن يكون شريكًا لا عبئًا.

إن إعادة تعريف هذا المفهوم ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة ملحّة فلا بد من مراجعة صريحة للسياسات التي تُعمّق الفجوة بدل ردمها، والاعتراف بأن التنمية الحقيقية لا تُقاس بما تحققه القلة، بل بما ترفعه عن كاهل الأغلبية فالاستمرار في تجاهل هذه الحقيقة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التآكل في الثقة، ومزيد من الاحتقان الذي لا يمكن احتواؤه بالشعارات.

في النهاية، يبقى السؤال معلقًا بمرارة إذا كانت المصلحة الوطنية لا تشمل المواطن، فباسم من تُدار الدولة؟ الإجابة على هذا السؤال لن تأتي من الخطابات، بل من أفعال تُعيد الاعتبار للناس، وتضعهم في قلب المعادلة، لا على هامشها.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا