قراءة ناقدة لرواية بعنوان ” بيت بيروت ” للمحامي الروائي سامر أبو شندي
إعداد : دكتورة أمل علمي بورشك …..
قراءة ناقدة لرواية بعنوان ” بيت بيروت ” “123صفحة ”
للمحامي الروائي سامر أبو شندي
صادرة عن دار الأمير للنشر والتوزيع و الترجمة
مرسيليا ، فرنسا
إعداد : دكتورة أمل علمي بورشك
سبق و أن قرأت للروائي سامر أبو شندي روايته الأولى بعنوان طواحين الهوى ، التي تناولت التاريخ الحديث في دول عربية مثل العراق و سوريا و مصر ، واليوم نقل تركيزه و إضاءته إلى مكان و زمان آخر بعنوان جديد ” بيت بيروت ” ليثري القاريء ببعض الخفايا التي يمر بها السياسي و المواطن العادي أثناء رحلته في الحياة و ما يواجه من مخاطر وصراعات بين متطلبات حياة الصراع الفكري و الاحتياجات النفسية و الاستمرار في حمل أفكاره الخاصة الموجه بأيدلوجيات منوعة لها وقعها على الفرد و أثرها على المجتمع و ما تحمله من خيبات أمل في نهاية المطاف ، لتعين القاريء في توجهاته المستقبلية و تعلمه من فكر الآخرين و تجاربهم ، فهذه الرواية هي إسقاط لأحداث الماضي على حاضر اليوم ، بكل جرأة ، و الأخذ بيد القاريء إلى مراكز الوعي و الاستيضاح و التعلم من تجارب أبطال الرواية .
كتاب يحمل غلافه صورة شجرة الأرز بين كفين حريصتين على حمايتها من السقوط ، يحيطها لون دموي أحمر ، لخلفيته بيضاء لا تخلو من تشويه حدود الخطوط العريضة المرسومة بأداة نفذ منها سماكة اللون الحمر القرمزي في الحدود العلوية والسفلية قد يكون لشح في اللون الأحمر القرمزي أو قلة مهارة من وضع الحدود .
باستهلال كلمي في نهاية الرواية يكتب الروائي سامر أبو شندي ” لبنان … وجه المليحة …. يقول الدم العربي : تساويت و الماء أصبحت لا طعم لا لون لا رائحة ” … لقد أفقدني انفجار بيروت توازني ، ووقفت روحي عارية ، طرحت على نفسي مجموعة من التساؤلات ، حاولت الإجابة عليها في هذه الرواية .
و بإهداء مختصر إلى أساتذته و أمه و ابنه و ابنتيه يبدأ روايته بوصف حياة عبدالغني سنة 1975 بالرخاء و الاستقرار ، و تحمسه للفكر والحياة الاشتراكية و قربه من القيادة المصرية ، و لكن سوء حظه زجه في قضية مؤامرة مراكز القوى بعد وفاة عبدالناصر و تولي السادات الحكم ليجد نفسه في العام 1971 خارج المحكمة العسكرية لقربه من أحد الضباط القادة الذين تورطوا في مراكز القوى بعد أن كان ملازما في الجيش المصري حين تخرج من الكلية العسكرية في العام 1968م.
و قادته لقمة العيش للعمل في الانشاءات و المقاولات التي تشبه إلى حد بعيد ما كان يشرف عليه في الجيش من بناء قواعد الصواريخ و بعض الأشغال العسكرية فعاش حياة المجون والترف .
ومن ثم يصف الروائي بعد ذلك حياة عبد الغني التي بات فيها متنقلا و هاربا مع وطنيته و ما يحمله من أفكار إيجابية عن تحقيق الحلم العربي ، فتوجه غربا إلى ليبيا وتحديدا طرابلس ، و من ثم وجد نفسه في دوامة حلزونية تدور حول حبه للحق و تحرير الأرض و ما يحمل من أفكار ، و اتسعت حلقات الدوامة ، لتدور به في شوارع عمان الأردن و كلما ارتفع في الحلزونة يرى أدق تفاصيل عمان النهارية والليلية .
ومن ثم بسرية تامة يتحرك من ليبيا مارا بعمان نحو دمشق في سوريا ، حتى يحط في لبنان ، ولا تخلو أوقات طريقه من رفقة ناعمة يسهب في وصفها بطريقة خاصة .
اقتباسات خاصة ذات قيمة رمزية تظهر بعد حدث ما يمر به البطل :….
في صفحة (18) يكتب ” و لأول مرة في حياتي أجد أن الجهل يكافأ مكافأة مجزية “،
في صفحة (47) ” دخلنا في ربيع 82 و كان لتفتحه طعما آخر بوجود هند ، عرفت في هذا الربيع أني أحبها ، فالحب ليس قرارا ، أنت تجد نفسك في حالة حب ، كانت هند تشبه بيروت في تنوعها و تقلبها و جنونها ، رغم ذكائها الحاد وجمالها الساحر ، كانت هند ضوءا ساطعا دخل ظلمة حياتي و ربيعا غزا صحراء وجداني المقحلة “.
و في صفحة (80) يتطرق لفرحة وداد بدراستها الفلسفة الإسلامية و تفضيله لعب دور المستمع و وداد تتحدث بأن إجابة الفلسفة الإسلامية على الأسئلة العظمى تجيب و تشفي الغليل غير أنها تقف عند حدود العقل و تقر بأن الغيب لا يعلمه إلا الله .
و في صفحة (84) قامت رومانيا بتدريس ألف طالب سوري بدلا من المليون دولار لبناء محطة حرارية .
يتناول الروائي سامر أبو شندي كل القضايا السياسية بدءا من أسوار برلين ودور أميركا في فرض سيطرتها على العالم ، و في لبنان رسم بالكلمات و الأحرف كل لمسة سياسية تركت بصمتها على أرض بيروت ، فكان إسقاطا لظلال الماضي على الحاضر في الألفية الثالثة ، وتجديد الهيمنة و السيطرة للقوى العظمى على بيت بيروت بتوجهات متعددة لا تخلو من حب السيطرة على الأرض واستعادة التحكم باقتصادها و ثرواتها ، فكان الروائي سامر متقنا لوصف متغيرات الحياة النفسية واليومية للمواطن اللبناني على أرضه و تخبطه وتشتته بين كل الاتجاهات المتصارعة ، فتقتحم قصة حب كل هذا الصراع لتجذف بمركبها و إن كان متهالكا فتترك خلفها الدمار وتتجه نحو بصيص أمل تبنيه بالإرادة القوية لإضاءة المستقبل للآخرين .
لا تخلو صفحات الرواية من نقد لكمية الأكسجين التي لا تكفي لحر واحد ، وبين الحين و الآخر لا يبخل الروائي سامر أبو شندي بإدلاء صريح لمعرفته السياسية وزخم اطلاعه على الأدب العربي و الأجنبي و أخبار الفنانين العرب و أثرهم على المتلقي لفكرهم ، و يختم في صفحة ( 107) بعودة عبد الغني لقراءة القرآن و الصلاة و يكمل …” عدت إلى روتين الحياة أحاول رفع روحي المعنوية و أنا شاهد على هزيمتين ، و الاستفاقة من صدمة الانهيار السوفياتي ، فانزويت في أحد المقاهي حتى لا أجالس أحد …. إنه زمن انهيار الآيديولوجيا “.
طبعا هناك دائما جديد لكن الصراع هو الثابت ، لكن كنت متفائلا بالمستقبل .
وتنتهي الرواية بعد أن نشرت كل دقائق بيت بيروت ، و إظهار أهمية التعليم و الأخلاق ، رواية تنقلك باختصار لعالم اندفاع حب العطاء و نتائجه والصدمات و أثرها على نفسية الانسان ، رواية ملونة بالفن و الأدب و عالم المخاطرة والصراعات النفسية الداخلية لكل انسان ، و محاولة الوصول إلى حالة الإتزان المطلوب ، مهما تغيرت الأسفار و الأدوار و الأسماء و الجوازات والبلدان ، يتوق الانسان الحر للحظة هانئة تحقق مراده المطلوب .
إنها رواية تختزل تاريخ بيروت في صفحات ، كل صفحة منها تحتوي على كم هائل من الأسماء و الأحداث التي تتلاعب بحياة كل من مر فيها ، رواية تلقي الضوء على كم معرفي هائل من الأدب وطرق الكفاح الذي لا يعرف حتى نهايته و لا أين يقف البطل في صراعه مع من يدير شؤونه ، و مع ذلك تغرس الرواية الحكمة لاستثمار الوقت و الابتعاد عن الإضرار بالآخرين ، و يستمد القوة بالمعرفة و الالتزام الأخلاقي قدر الإمكان.
رواية خاصة تختلف عن الرواية الأولى للروائي سامر أبو شندي الذي جدد طريقة سرده من خلال البطل عبدالغني الذي يرمز للإنسان المتمكن علميا ومهاراتيا والمحبط من إخراجه من السلك العسكري بسبب تغير القادة الكبار و سوء حظه الذي وجهه لعالم المقاولات لامتلاكه العديد من المهارات في مجال الإنشاءات فتحول مسار حياته من العمل تحت ضوء الشمس للعمل في الظل ، يبدأ بوصف آلية تدريبه ، التي تعينه على اختراق عالم التنوع الاجتماعي في بيروت من شيعي و سني و يساري و اشتراكي ، ويمر على شجرة عيد الميلاد التي ترمز للسلام ، وتغير شخصية عبدالغني إلى أنيس بمظهرها الخارجي و حفاظه على مبادئه الخاصة حول بيت الاسكوا الرمزي للثبات .
رواية ذات زخم معرفي ضخم ، تدل على تمكن الروائي من سرده المتسلسل للأحداث الزمنية ، وشخصيات ثانوية تثري المشهد الروائي ، وخلفية موسيقة تحيي المشاهد الدرامية بوقع كلماتها على القاريء .
مبارك هذا الإصدار الثاني و الذي يكشف مازراء الكواليس لما نسمعه من الإعلام
و هي تثري المكتبة العربية بنوعية خاصة من الدب السياسي الحديث الذي يدخل حياة أسر المحاطين بأحداث مدمرة لا علاقة لهم بها من أي جانب سوى أنهم من ساكني ” بيت بيروت “.
مع كل تمنياتي بالتوفيق للروائي سامر أبو شندي .