فادي السمردلي يكتب: صراع خفي يحكم العالم من يملك طرق التجارة؟
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
لم تعد القوة في العالم تُقاس فقط بحجم الجيوش أو عدد القواعد العسكرية أو حتى النفوذ السياسي المباشر على الدول فهناك طبقة أعمق وأكثر هدوءًا من الصراع تدور بعيدًا عن العناوين العريضة والبيانات الرسمية لكنها في الواقع تتحكم في حركة الاقتصاد العالمي كله إنها طرق التجارة البحرية.
اليوم تمر أكثر من 80% من حركة التجارة العالمية عبر البحار والمحيطات فالنفط، والغاز، والسلع الأساسية، والمواد الخام، وحتى المنتجات الصناعية المعقدة كلها تعتمد على خطوط بحرية تمتد بين القارات مثل الشرايين التي تغذي الاقتصاد العالمي ومن هنا بدأت تتغير قواعد اللعبة فمن يملك القدرة على التأثير في هذه الطرق أو التحكم في نقاطها الحساسة يمتلك شكلًا جديدًا من القوة يفوق في تأثيره كثيرًا السيطرة التقليدية على الأراضي.
الممرات البحرية ليست مجرد مسارات عبور للسفن، بل هي نقاط اختناق استراتيجية مضائق مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس ومضيق ملقا، ليست مجرد أسماء على الخريطة بل هي مفاتيح تتحكم في تدفق الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب فأي اضطراب فيها سواء كان سياسيًا أو أمنيًا أو حتى لوجستيًا، يمكن أن ينعكس فورًا على أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، واستقرار الأسواق العالمية.
هذا الواقع خلق نوعًا جديدًا من الصراع الدولي، لا يعتمد بالضرورة على الاحتلال أو السيطرة المباشرة، بل على النفوذ غير المرئي قوى كبرى تتنافس على تأمين وجودها البحري، سواء عبر الأساطيل العسكرية أو عبر النفوذ الاقتصادي والاستثماري في الموانئ والممرات وفي المقابل، تسعى دول أخرى إلى تأمين بدائل وخطوط إمداد جديدة لتقليل اعتمادها على نقاط الاختناق التقليدية.
لكن ما يجعل هذا الصراع أكثر تعقيدًا هو أنه لا يُدار فقط بين الدول الكبرى بل تشارك فيه شركات شحن عملاقة ومؤسسات لوجستية عالمية، وحتى تحالفات اقتصادية غير رسمية فهذه الأطراف جميعًا تساهم في تشكيل خريطة جديدة للقوة، حيث يصبح الميناء أهم أحيانًا من العاصمة السياسية، وتصبح القدرة على تأمين خط شحن أكثر تأثيرًا من توقيع اتفاقية دبلوماسية.
من زاوية أخرى، تكشف هذه التحولات عن حقيقة مهمة العولمة لم تلغِ الصراع على القوة بل أعادت تشكيله فلم يعد الصراع يدور حول من يسيطر على الأرض فقط، بل حول من يضمن تدفق السلع والطاقة دون انقطاع فالاقتصاد العالمي اليوم يشبه شبكة معقدة، وأي خلل في نقطة صغيرة منها يمكن أن يسبب ارتباكًا واسعًا على مستوى العالم.
الأزمات الأخيرة في سلاسل الإمداد، سواء بسبب التوترات الجيوسياسية أو الحوادث البحرية أو حتى الأزمات الصحية العالمية، أثبتت أن هشاشة النظام العالمي تكمن في اعتماده المفرط على مسارات بحرية محدودة وهذا ما دفع العديد من الدول إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها، سواء عبر تنويع طرق التجارة أو الاستثمار في الممرات البديلة أو تعزيز قدراتها البحرية.
في النهاية، يمكن القول إن العالم اليوم يعيش تحولًا صامتًا في مفهوم القوة فلم تعد القوة تُقاس فقط بما تملكه الدول على اليابسة، بل بما تستطيع ضمانه في البحر وبينما ينشغل كثيرون بالسياسة التقليدية، يستمر الصراع الحقيقي في الخلفية، حيث تُرسم خرائط النفوذ الجديدة على سطح الماء، لا على حدود الأرض.
وهكذا، يصبح السؤال الأهم ليس من يحكم العالم، بل من يملك طرقه؟
الكاتب من الأردن