دليل استخدام حقوق الإنسان الأوروبية.. قبل الاستعمال تأكد من جنسية الضحية

رسول حسين ابو السبح …..

باحث وصحفي، العراق النجف الأشرف

في إنجاز حضاري جديد يضاف إلى سجل الحداثة الغربية، يبدو أن أوروبا نجحت أخيرًا في حل واحدة من أعقد المعضلات الأخلاقية في التاريخ، هل جميع البشر متساوون في الكرامة والحقوق؟ وبعد عقود من المؤتمرات والندوات والتقارير الدولية، توصلت المؤسسات السياسية والإعلامية إلى جواب عملي بالغ البساطة نعم، جميع البشر متساوون، لكن بعضهم أكثر مساواة من غيرهم، ومن هنا كان لا بد من إصدار كتيب إرشادي جديد يحمل عنوان، “دليل استخدام حقوق الإنسان الأوروبية.. قبل الاستعمال تأكد من جنسية الضحية”.

وفقًا لهذا الدليل غير المعلن، فإن الخطوة الأولى عند وقوع أي مأساة إنسانية لا تبدأ بحجم الألم ولا بعدد الضحايا ولا بكمية الدمار، بل تبدأ بفحص الهوية، فإذا كانت جنسية الضحية تقع ضمن دائرة الاهتمام السياسي والإعلامي المطلوبة، تتحول القضية فورًا إلى حدث عالمي عاجل، وتُفتح الاستوديوهات، وتُعقد المؤتمرات، وتتحرك المنظمات، وتُكتب المقالات التي تذكر العالم بأن الإنسانية لا تتجزأ، أما إذا جاءت الضحية من مكان آخر، فإن الملف ينتقل مباشرة إلى قسم “الظروف المعقدة”، حيث تبدأ رحلة طويلة من التبرير والتحليل والتأجيل حتى يختفي الخبر بهدوء كما لو أنه لم يحدث أصلًا.

ولأن أوروبا تؤمن بالتطور، فقد نجحت أيضًا في تطوير نظام متقدم لتصنيف المآسي.، هناك مآسٍ تستحق الغضب الفوري، ومآسٍ تستحق القلق، ومآسٍ تستحق المتابعة، ومآسٍ أخرى لا تستحق أكثر من بضعة أسطر في نهاية النشرة الإخبارية، وكل ذلك لا تحدده فداحة الحدث، بل موقعه السياسي على الخريطة الدولية. وهكذا تحولت حقوق الإنسان من قيمة أخلاقية عالمية إلى ما يشبه بطاقة اشتراك مميزة، يحصل أصحابها على كامل الخدمات بينما ينتظر الآخرون دورهم في قائمة الانتظار.

وعندما يصل الحديث إلى ضحايا الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يبدو أن العالم يدخل في حالة تأمل فلسفي عميق، فبدل أن يكون السؤال عن الإنسان الذي فقد حياته أو بيته أو أسرته، يتحول النقاش سريعًا إلى الحسابات الجيوسياسية والتوازنات الدولية، فجأة يصبح الدم ملفًا سياسيًا معقدًا، ويصبح الألم مادة للنقاش الأكاديمي، وتصبح المأساة مناسبة لتبادل وجهات النظر أكثر من كونها مناسبة للتضامن الإنساني، وكأن الضحية مطالبة أولًا بإثبات أهليتها الأخلاقية قبل أن تحصل على حقها الطبيعي في التعاطف.

أما جنوب لبنان، فله حكاية مختلفة مع هذا العالم، هناك تعرف القرى الحدودية جيدًا شكل الكاميرات وهي تمر من فوقها دون أن تتوقف طويلًا، وتعرف الأمهات أن بكاءهن لا يحظى دائمًا بالترجمة الفورية إلى عشرات اللغات كما يحدث في أماكن أخرى، وتعرف البيوت المهدمة أن الركام ليس متساويًا في القيمة الإعلامية، وأن بعض الأحجار تجذب اهتمام العالم أكثر من أحجار أخرى، وأن بعض الدماء تمتلك قدرة أكبر على تصدر الشاشات والعناوين.

المفارقة المدهشة أن الخطاب الأوروبي لا يزال يبدأ من العبارة ذاتها، “حقوق الإنسان عالمية”، وهي عبارة جميلة فعلًا، حتى إن أحدًا لا يعترض عليها، لكن المشكلة تظهر عند التطبيق، حيث يبدو أن كلمة “عالمية” أصبحت تحتاج إلى تعريف إضافي يشرح المقصود منها بدقة، فالعالم، وفق بعض الممارسات السياسية والإعلامية، ليس واسعًا كما كنا نظن، بل ضيق إلى درجة أن ملايين البشر قد يجدون أنفسهم خارج نطاق التغطية الإنسانية.

وفي النهاية، لا يطلب أحد من أوروبا أن تتبنى مواقف الآخرين أو أن تتخلى عن مصالحها أو أن تغير تحالفاتها. المطلوب فقط أن تبقى المعايير معايير، وأن تبقى القيم قيمًا، وأن يبقى الإنسان إنسانًا قبل أن يكون بندًا في جدول المصالح.

وحتى يتحقق ذلك، سيظل هذا الدليل الساخر صالحًا للاستخدام، إذا أردت أن تعرف حجم التعاطف المتوقع مع أي مأساة في العالم، فلا تنظر أولًا إلى حجم المأساة، بل انظر إلى جنسية الضحية، هناك تبدأ القصة، وهناك غالبًا ينتهي الحديث عن حقوق الإنسان.

الكاتب من العراق

قد يعجبك ايضا