فادي السمردلي يكتب:الكرسي لا يصنع رجل دولة
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
اعلم كما يعلم الجميع انه في عالم السياسة هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها المنصب لا يمنح صاحبه قيمة أكبر من قدرته على حمله فالكرسي قد يرفع شخصًا إلى موقع المسؤولية لكنه لا يستطيع أن يصنع منه رجل دولة لأن رجل الدولة لا يُعرف من خلال مكتبه ولا من خلال عدد الأبواب التي تُفتح له ولا من خلال الحماية التي تحيط به، بل يُعرف من خلال وعيه، وكلماته، واحترامه للناس الذين يفترض أنه يخدمهم.
في الأردن، بلد التوازنات الدقيقة والمجتمع المتنوع لا يمكن التعامل مع المسؤولية العامة وكأنها مساحة شخصية للتجربة أو الاستعراض فالمسؤول عندما يتحدث لا يتحدث بصفته فردًا عاديًا بل يحمل خلفه مؤسسة ودولة وثقة مواطنين لذلك فإن الكلمة التي تخرج بلا حساب ليست مجرد زلة لسان وقد لا تكون مجرد مزحة كما يظن البعض بل قد تكون رسالة خاطئة يدفع ثمنها احترام المنصب نفسه.
المشكلة ليست في أن المسؤول إنسان يخطئ فالجميع يخطئون، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يعتقد صاحب المنصب أن موقعه يحميه من النقد أو أن الكرسي يمنحه حق قول ما يشاء دون حساب حتى لو كانت بلغة واسلوب الحمقى وهنا يتحول المنصب بعقله المشوه من مسؤولية إلى امتياز شخصي وتتحول السلطة من خدمة للناس إلى شعور مرضي زائف بالتفوق عليهم.
الأردنيون لا يبحثون عن مسؤول يملك خطابًا منمقًا فقط ولا عن شخص يجيد الظهور أمام الكاميرات بل يريدون مسؤولًا منتمي حقيقي للأردن ويشعر بثقل الأمانة يريدون من يعرف أن المواطن ليس رقمًا في تقرير ولا صوتًا يُسمع فقط في مواسم معينة بل هو أساس الشرعية وأصل وجود أي مسؤول في موقعه.
رجل الدولة الحقيقي كامثال الشهيد وصفي التل لا يحتاج إلى تذكير الناس بمنصبه في كل مناسبة لأن أفعاله تتحدث عنه فلا يحتاج إلى استخدام لغة نرجسية لأن احترام الناس واحترام تاريخ بلد صنع له قيمه ما كانت لتكون له لو كان في بلد آخر وهو الذي يصنع هيبته ولا يحتاج إلى إظهار القوة لأن الحكمة هي أقوى أدوات المسؤول.
لقد أثبت التاريخ أن كثيرين جلسوا على كراسٍ كبيرة، لكن القليل منهم تركوا أثرًا حقيقيًا فهناك فرق كبير بين من يشغل منصبًا ومن يستحقه فالأول يمتلك توقيعًا وصلاحيات أما الثاني فيمتلك رؤية وضميرًا وإحساسًا بحجم المسؤولية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن يصبح المنصب أكبر من صاحبه وأن يصبح الكرسي هو مصدر الهيبة بدل أن تكون الهيبة نابعة من الشخص نفسه لأن الدول لا تُبنى بالمكاتب الفاخرة ولا بالمواكب ولا بالمسميات بل تُبنى برجال يعرفون أن السلطة تكليف وليست تشريفًا.
على كل مسؤول أن يدرك أن الناس قد تنسى الكثير من القرارات لكنها لا تنسى كيف شعروا تجاه المسؤول طعن وطن احتضنه قد تنسى الأرقام، لكنها تتذكر الإهانة، وقد تتجاوز الخطأ، لكنها لا تتجاوز الاستهتار.
الأردن يحتاج إلى رجال دولة لا إلى أصحاب مناصب ديكورية فقط يحتاج إلى من يزن كلماته قبل أن يقولها، ويدرك أن كل تصريح له أثر، وكل موقف له حساب فالمسؤول الذي لا يفهم مجتمعه لن يحميه منصبه طويلًا والمسؤول الذي لا يحترم عقل المواطن لن يصنع احترامًا لنفسه.
الكرسي قد يمنحك مكانًا، لكنه لا يمنحك مقامًا قد يضع اسمك على باب مكتب، لكنه لا يضع اسمك في ذاكرة الناس وحده العمل والحكمة والشعور بالمسؤولية هو ما يصنع رجل الدولة.
فالكرسي لا يصنع رجل الدولة… بل رجل الدولة هو من يصنع قيمة الكرسي.
الكاتب من الأردن