ثورة 23 يوليو 1952.. من التحرر الوطني إلى سؤال الاستقلال العربي في عالم متغير
قراءة في مقال الرفيق عمران الخطيب
بقلم/ نجيب الكمالي. ….
تظل الكتابات التاريخية المهمة هي التي لا تكتفي باستعادة الماضي، بل تجعل منه مدخلاً لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. ومن هذا المنطلق يأتي مقال الرفيق عمران الخطيب حول ثورة 23 يوليو 1952، الذي أعاد فتح النقاش حول واحدة من أبرز التجارب السياسية في التاريخ العربي الحديث، باعتبارها تجربة ارتبطت بالتحرر الوطني، والعدالة الاجتماعية، وبناء الدولة المستقلة.
ينطلق الرفيق عمران الخطيب في مقالته من إيمان عميق وانتماء راسخ للفكر القومي العربي الذي رسخ معالمه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ليعيد قراءة مبادئ التحرر والسيادة والاستقلال في ظل التحديات المعاصرة. فالمقال لا يتوقف عند حدود استعادة حدث تاريخي، بل يحاول استحضار الدروس التي ما زالت حاضرة في واقع الأمة العربية وأسئلتها الكبرى حول الحرية والتنمية والقرار المستقل.
لقد نجح الرفيق عمران الخطيب في تسليط الضوء على الأبعاد الكبرى للثورة، باعتبارها لم تكن مجرد تغيير سياسي داخل مصر، بل كانت جزءاً من حركة تاريخية عالمية هدفت إلى إنهاء الاستعمار وبناء نظام أكثر استقلالاً وتوازناً. فقد ألهمت ثورة يوليو العديد من حركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وارتبط اسم مصر في تلك المرحلة بدعم الشعوب التي كانت تناضل من أجل استقلالها وكرامتها الوطنية.
لقد جاءت الثورة في منتصف القرن العشرين، في مرحلة كان فيها العالم يعيش صراعاً بين قوى استعمارية قديمة وشعوب تبحث عن حقها في تقرير مصيرها. وكانت مصر آنذاك تعاني من نفوذ بريطاني واسع، فجاءت ثورة الضباط الأحرار عام 1952 بقيادة جمال عبد الناصر لتعلن بداية مرحلة جديدة عنوانها استعادة القرار الوطني وبناء دولة قادرة على إدارة شؤونها بعيداً عن الهيمنة الخارجية.
ولم يكن مشروع الثورة مجرد تحرك سياسي عابر، بل حمل أبعاداً اجتماعية واقتصادية واضحة، حيث ارتبط بالإصلاح الزراعي، وتوسيع التعليم، وإنشاء المؤسسات الإنتاجية والصناعية، ومحاولة إعادة توزيع الفرص داخل المجتمع. وقد شكل ذلك تصوراً جديداً لدور الدولة في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، وربط بين الاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي.
ورغم اختلاف التقييمات التاريخية حول تجربة يوليو، بين من يرى أنها حققت إنجازات كبرى في التحرر الوطني وبناء الدولة، ومن يوجه انتقادات لبعض جوانبها السياسية والاقتصادية، فإنها بلا شك شكلت محطة مفصلية غيرت مسار مصر والمنطقة العربية، وتركت أثراً تجاوز حدودها الجغرافية.
وكانت معركة تأميم قناة السويس عام 1956 واحدة من أبرز اللحظات التي جسدت مفهوم السيادة الوطنية. فقرار التأميم لم يكن مجرد قرار اقتصادي، بل كان إعلاناً بأن الشعوب تمتلك الحق في إدارة مواردها وثرواتها بعيداً عن السيطرة الخارجية. وقد كشف العدوان الثلاثي على مصر أن الصراع لم يكن فقط حول قناة السويس، بل حول حق الدول في امتلاك قرارها السياسي والاقتصادي.
وانتصرت الإرادة المصرية في تلك المواجهة، لتصبح أزمة السويس نقطة تحول تاريخية عززت مكانة حركات التحرر في العالم، وتزامنت مع مشروعات قومية كبرى، من أبرزها بناء السد العالي، الذي أصبح رمزاً لقدرة الدولة الوطنية على تنفيذ مشاريع استراتيجية تخدم التنمية.
وعلى المستوى العربي والدولي، ارتبط مشروع عبد الناصر بدعم القضية الفلسطينية، ومساندة الثورة الجزائرية حتى تحقيق الاستقلال، ودعم حركات التحرر في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. كما لعبت مصر دوراً مهماً في تأسيس حركة عدم الانحياز إلى جانب عدد من الدول التي سعت إلى بناء مساحة مستقلة بعيداً عن الاستقطاب الدولي خلال الحرب الباردة.
لكن أهمية تجربة يوليو اليوم لا تكمن فقط في أحداثها التاريخية، بل في قدرتها على طرح أسئلة الحاضر. فالعالم تغير، وأدوات الصراع تغيرت، ولم تعد الهيمنة تأخذ دائماً شكل الاحتلال العسكري المباشر، بل أصبحت ترتبط بالاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والمعرفة والتحكم في مسارات التنمية.
ونحن نعيش اليوم مرحلة انتقالية في النظام العالمي، بين مسار صاعد تمثله قوى جديدة وعلى رأسها الصين، ومسار تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات مرتبطة بتغير موازين القوة العالمية. فقد استطاعت الصين بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية ضخمة، وتحويل الإنتاج والمعرفة والبنية التحتية إلى أدوات نفوذ عالمي، بينما يشهد النظام الدولي تراجعاً تدريجياً في مرحلة القطب الواحد باتجاه عالم أكثر تعددية.
وهذا التحول يفتح أمام العالم العربي فرصة تاريخية، لكنه يتطلب امتلاك رؤية واضحة وإرادة سياسية قادرة على تحويل الإمكانات إلى قوة حقيقية. فالعالم العربي يمتلك الموقع والثروات والطاقة والقدرات البشرية، إلا أن هذه المقومات تحتاج إلى مشروع تنموي يقوم على الصناعة والمعرفة والتكامل الاقتصادي.
فالاستقلال في العصر الحديث لم يعد يعني فقط التخلص من الاحتلال، بل يعني امتلاك اقتصاد قوي، وتكنولوجيا وطنية، وأمناً غذائياً، ومؤسسات قادرة على حماية القرار الوطني. كما أن العلاقات الدولية الناجحة لا تقوم على التبعية، بل على التوازن وتحقيق المصالح الوطنية مع مختلف القوى العالمية.
إن الدرس الأهم من ثورة 23 يوليو هو أن السيادة لا تُمنح، بل تُبنى. فالدول التي لا تمتلك مصادر قوتها الذاتية تبقى عرضة للضغوط الخارجية، أما الدول التي تستثمر في الإنسان والعلم والإنتاج فتكون أكثر قدرة على صناعة مستقبلها.
ولهذا فإن مقال الرفيق عمران الخطيب يمثل إضافة مهمة للنقاش حول ثورة يوليو، لأنه لا يقدمها كذكرى تاريخية فقط، بل كفكرة مرتبطة بأسئلة الحاضر والمستقبل: كيف تبني الشعوب استقلالها؟ وكيف تحول مواردها إلى قوة؟ وكيف تنتقل من موقع التأثر بالأحداث إلى موقع المشاركة في صناعتها؟
وفي عالم يتغير بين صعود قوى جديدة وتراجع هيمنة قوى تقليدية، تبقى رسالة التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية التي ارتبطت بثورة 23 يوليو حاضرة، باعتبارها دعوة مستمرة لبناء دول تمتل