من يبرر الجريمة شريك في صناعة روايتها
رسول حسين ابو السبح …..
في لحظات الأزمات الكبرى لا تُختبر الجيوش وحدها، بل تُختبر أيضًا الضمائر، فالكلمة التي تُقال لتبرير العدوان لا تقل خطرًا عن الرصاصة التي تُطلق في ساحة المعركة، لأنها تمنح الجريمة غطاءً أخلاقيًا، وتحوّل المعتدي من متهم إلى صاحب عذر، والضحية من مظلوم إلى متهم.
ومنذ سنوات، ومع كل أزمة يتعرض لها العراق على يد الجار المسلم السعودي، يظهر فريق لا ينشغل بإدانة الاعتداء أو الدفاع عن سيادة بلده، بل يكرّس جهده للبحث عن الأعذار وتقديم المرافعات السياسية والإعلامية نيابة عن من يتهمهم خصومهم بالاعتداء على العراق، هؤلاء لا يناقشون أصل الفعل، بل ينشغلون بإعادة إنتاج المبررات، حتى لو كان الثمن هو تجاهل دماء العراقيين أو التقليل من قيمة سيادة وطنهم.
أن اليوم أخطر ما يواجه العراق ليس الاعتداءات الخارجية وحدها، وإنما الأصوات التي تسارع إلى تبريرها وتسويقها، فبدل أن يكون الموقف الطبيعي هو رفض أي اعتداء على العراق، تتحول بعض المنابر إلى أدوات لتخفيف المسؤولية عن المعتدي، وإلقاء اللوم على الضحية، أو تصوير ما يجري وكأنه نتيجة حتمية لأخطاء العراقيين أنفسهم.
إن الخلاف السياسي لا يبرر التخلي عن الثوابت الوطنية، فمن حق أي إنسان أن يختلف مع الحكومة أو مع القوى السياسية أو مع أي مؤسسة رسمية، لكن ليس من حق أحد أن يجعل هذا الخلاف مدخلًا لتبرير أي انتهاك لسيادة العراق أو التقليل من خطورته، فالولاء للأوطان يُقاس عند المحن، لا عند الرخاء.
والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض الأصوات التي تتحدث باسم البيئة الشيعية أو تدّعي الدفاع عن مصالحها، تتحول عند كل أزمة إلى أبواق تبريرية، فتتجنب توجيه النقد إلى الرياض، وتبحث بدلًا من ذلك عن ذرائع سياسية أو أمنية أو مذهبية لتفسير كل ما يصدر عنها.
وكأن المطلوب من العراقي أن يتخلى عن ذاكرته، وأن ينسى سنوات الصراع والدماء، وأن يتعامل مع كل حدث بمعزل عن تراكمات التاريخ.
إن النقد السياسي لأي دولة حق مشروع، كما أن بناء العلاقات الإقليمية على أساس الاحترام المتبادل أمر مطلوب، لكن العلاقة السليمة لا تقوم على تبرير الأخطاء ولا على تزييف الوقائع ولا على مطالبة الضحية بالصمت، فالاحترام الحقيقي يبدأ بالاعتراف بسيادة الدول، واحترام أمنها، وعدم تحويل الخلافات إلى ذرائع لتجاوز القانون أو المساس باستقرار الشعوب.
إن أخطر أشكال الانحياز ليس أن تختلف مع أبناء وطنك، بل أن تصبح خصمًا لذاكرتهم، وأن تتطوع للدفاع عن كل فعل يستهدفهم، وأن تجعل من قلمك أو منبرك وسيلة لتخفيف وطأة أي اعتداء عليهم، فالكلمات، كما تصنع الوعي، قد تصنع أيضًا غطاءً للإفلات من المسؤولية.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه العراقيون على كل من يهرول لتبرير أي اعتداء إذا كان معيارك هو المصلحة والعدالة وسيادة الدول، فلماذا لا تطبقه على الجميع؟ ولماذا يصبح المعتدي مستحقًا للتبرير كلما كان حليفًا سياسيًا أو إقليميًا؟.
إن الدفاع عن العراق لا يحتاج إلى شعارات كبيرة، بل يحتاج إلى موقف أخلاقي ثابت رفض أي اعتداء على سيادته، وإدانة أي استهداف لأبنائه، ورفض تحويل الإعلام إلى منصة لتسويق المبررات، فالأوطان تُحمى بالمواقف قبل السلاح، وتسقط حين يصبح تبرير العدوان ثقافة، والتملق فضيلة، والصمت عن الدم وجهة نظر.
الكاتب من العراق