من الامن المستورد الى الامن الاقليمي .. إتفاقية مكة وولادة “منظمة الامن الاقليمي المستقل”
بروفيسور عوض سليمية
باحث في العلاقات الدولية
تشهد منطقة الشرق الاوسط منذ عقود حالة ممتدة من الفوضى وعدم الاستقرار الامني المصطنع؛ طالت بشكل مباشر سيادة واستقرار عدد من دول الاقليم. وكشفت التطورات الاخيرة الناجمة عن الحرب الامريكية-الاسرائيلية على إيران أن الاعتماد الكامل على المظلات الأمنية الخارجية لم يعد يوفر ضمانات موثوقة لاستقرار المنطقة. الأمر الذي دفع عدداً من القوى الفاعلة البحث عن تحالفات اقليمية واتفاقيات دفاعية مشتركة أكثر استقلالاً وموثوقية.
ضمن هذا التوجه، وقع قادة الدول الثلاث السعودية؛ باكستان وتركيا اتفاقية دفاعية مشتركة يوم الجمعة 7 آب/ اغسطس؛ عُرفت بإسم “إتفاقية مكة للدفاع المشترك”. في إطار سعي القوى الإقليمية الكبرى لتعزيز امنها المشترك. جوهر هذه الاتفاقية ينص على أن “أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعد هجوماً على الجميع”. كما تؤكد الاتفاقية؛ سعي الاطراف الثلاثة الى ترسيخ إطاراً يهدف إلى إضفاء الطابع المؤسسي على تبادل المعلومات الاستخباراتية رفيعة المستوى، والتكامل الصناعي الدفاعي، الى جانب تطوير القدرات التكنولوجية المشتركة. على هذا النحو، نشر وزير الدفاع السعودي الامير خالد في تغريدته “الاتفاقية تُرسّخ إطاراً لشراكة دفاعية طويلة المدى، تُعزّز الردع والتنسيق والتكامل بين بلداننا الشقيقة، وتسهم في دعم أمن واستقرار المنطقة والعالم”.
من منظور العلاقات الدولية، لا يعد توقيع اتفاقيات الدفاع المشترك بين الدول بإعتبارها تتويجاً لحالة من الثقة السائدة بين الدول الاطراف فقط؛ بل تمثل مساراً يهدف بالدرجة الاولى الى بناء قدرة جماعية قادرة على ردع أي تهديدات خارجية. بهذا المعنى؛ فإن الاعلان عن توقيع اتفاقية الدفاع المشتركة بين الدول الثلاث، لا ينبغي النظر اليها بإعتبارها اتفاقاً عسكرياً جديداً في المنطقة فحسب، بل بوصفها مؤشراً اولياً على تشكل نواة لمنظومة امن اقليمي؛ يمكن ان نطلق عليها “منظمة الامن الاقليمي المستقل” RASO، تعيد تعريف مفهوم التعاون الأمني والشراكات الاستراتيجية في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
هذا التوجه التاريخي يمثل امتداداً لما سبق وان اسس له ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قبل نحو عام تقريباً؛ عندما وقعت الرياض واسلام اباد اول اتفاقية دفاع مشترك في خطوة مهدت لبناء إطار تعاون يفتح المجال امام انضمام المزيد من الدول. الرؤية الاميرية كانت في مكانها الصحيح وبدأت الان تتمدد، وتنتقل من تعاون دفاعي مشترك خاص بدولتين كنموذج، إلى بناء تحالف اوسع عنوانه الانتقال التدريجي من مرحلة “الأمن المستورد” الذي اعتمد لعقود على الضمانات والتحالفات الخارجية، إلى مرحلة التأسيس “لأمن اقليمي مُنتج” بأيادٍ محلية وطنية، مستنداً على تكامل القدرات السياسية؛ العسكرية والاقتصادية المتوافرة للحلفاء الثلاث.
إن التأسيس لمفهوم “الأمن الإقليمي المنتج” واجب جماعي يقع على مسؤولية قادة الدول العربية والاسلامية؛ وليس فقط قادة دول التحالف الثلاث. من ناحية، لا يعني هذا المفهوم بالضرورة تطابق وجهات النظر في كل القضايا الاقليمية والدولية بنسبة 100%؛ فنحن لسنا بصدد انتاج نسخة مكررة من حلف الناتو؛ ولا بريكس+؛ ولا تحالف العيون الخمسة الاستخباري. لكن بالمقابل، فإن هذا المفهوم يشير بالضرورة الى قدرة الحلفاء على اتخاذ القرارات الاستراتيجية بصورة أكثر استقلالية ومرونة؛ للحفاظ على المصالح الحيوية للدول العربية والاسلامية. بما يشمل من بين امور اخرى؛ القدرة على صد أي تهديد عسكري خارجي.
بالنظر لما تملكه الدول الثلاث من مقدرات وموارد. فالسعودية تمتلك الثقل الاقتصادي وموقعها المحوري في مركز سوق الطاقة العالمي؛ ومركز اجماع ديني لدى أكثر من 2 مليار مسلم، وتركيا التي تمتلك مفاتيح الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية الهجومية، وتمتد على مساحة جغرافية شاسعة تشكل جسراً برياً وبحرياً من وسط اسيا الى مشارف اوروبا؛ بالإضافة الى امتلاكها جيشاً يصنف من اقوى جيوش العالم، بينما تمثل باكستان قوة عسكرية كبيرة، وخزان بشري هائل، وتضيف بعداً استراتيجياً استثنائياً باعتبارها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك القدرات النووية. هذه المقدرات والموارد مجتمعة لا تؤسس لمجرد اتفاق دفاعي مشترك، بل توفر ايضاً الأساس لقيام قطب إقليمي بوزن ثقيل، قادر على الاستجابة السريعة للتحولات الامنية المتسارعة في المنطقة.
إن نجاح هذه التجربة التاريخية قد يجعلها نموذجاً جاذباً لدول أخرى تتشارك نفس الاهداف، وفي مقدمتها مصر، الأردن، ماليزيا، وإندونيسيا… وغيرها من الدول، وإذا تحقق مثل هذا التوسع، فإن المنطقة ستكون أمام كتلة جيوسياسية تمتد من جنوب آسيا مروراً بدول الخليج العربي حتى شواطئ البحر الاسود شمالاً ومشارف اوروبا غرباً، هذه الكتلة تحوز ثقلاً سكانياً واقتصادياً وعسكرياً تؤهلها لتكون أحد أبرز مراكز انتاج القوة في النظام الدولي الناشئ.
ندرك تماماً أن الطريق لن يكون سهلاً وسيتعرض هذا التحالف الناشئ لكثير من الاختبارات. من ناحية، يتطلب نجاح الاتفاقية توافقاً سياسياً طويل الأمد، وعمل مؤسسي مشترك، آليات ومستوى اتخاذ القرارات، وقدرة على إدارة تباين الأولويات والمصالح بين أعضائه. فالتاريخ يبين أن كثيراً من التحالفات فشلت ليس بسبب ضعف امكانياتها، بل بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة.
من ناحية اخرى، وعلى الرغم من ان هذا التحالف ليس موجهاً ضد طرف بعينه، إلا انه من المؤكد ان يواجه تحديات خارجية مصدرها على الاقل، امريكا واسرائيل. خاصة إذا ما تأكدت واشنطن ان هذا التحالف لن يكون موجهاً ضد طهران، ولا محطة لقطار التطبيع مع اسرائيل دون اعتراف الاخيرة بالدولة الفلسطينية المستقلة. ولا يعني بالضرورة الغاء الشراكات الاستراتيجية لبعض أعضاء هذا التحالف مع روسيا والصين. ومُتوقع ايضاً ان يتصاعد رد فعل واشنطن إذا ما تحول هذا التحالف إلى إطار يسهم في تقليص نفوذها في المنطقة. أما بالنسبة لاسرائيل، فيمكن العثور بسهولة على موقفها الرافض مسبقاً لإنشاء هذا التحالف في تصريحات نتنياهو التي حذر فيها مما اسماه “المحور السني الراديكالي الآخذ بالتشكل”.
قد يكون توقيع الاتفاق مجرد خطوة أولى في مسار الالف ميل وصولاً الى المفهوم الشامل للدفاع المشترك. لكن؛ مجرد التفكير في طي مرحلة المظلات الامنية الاجنبية، والانتقال للتفكير في إنتاج الامن إقليمياً يمثل بحد ذاته تحولاً في العقل الاستراتيجي لدول المنطقة. وإذا نجح هذا المشروع في التحول إلى مشروع مؤسسي متكامل، فإنه لن يغير فقط شكل التحالفات في الشرق الأوسط، بل قد يؤسس لمرحلة جديدة يصبح فيها أمن الإقليم مسؤولية منوطة بـــ “منظمة الامن الاقليمي المستقل” RASO، عندها، تدخل دول المنطقة بقوة نادي صناعة التوازنات الامنية والردع الاقليمي المشترك؛ كمقدمة للمساهمة في بناء معادلات النظام الدولي الناشئ؛ بكل سهولة .
الكاتب من فلسطين