“أصحاب الاختصاص والكفاءة والنزاهة أَولى بالتعيينات”

حنا ميخائيل سلامة   …..

“ليس من الحق أن يصار إلى تعيين الشخص غير المناسب في المكان الذي يفترض أن يكون لصاحب الاختصاص والكفاءَة والخبرة والنزاهة. فقد سَئِم الناس من عبارةٍ كثيراً ما تتردد على الألسن: فلنُعْطِ فلاناً فرصة في الموقع كذا.. وهل من العقلانية أن تكون المناصب الرسمية مواقعَ لتجريب عباد الله؟ وهل عجزنا عن معرفة أصحاب الكفاءة العالية والخبرة العلمية الواسعة والإبداع.
ولا بد من الإشارة إلى أن أحوال بعض المواقع قد تقهقرت على مدار السنوات المنصرمة ولم يتحقق أيّ تحديثٍ أو تطويرٍ فيها بسبب تزكية أصحاب المآرب وتنسيبهم لأسماء محددة لِتَسنّمها على طريقة المثل القائل “حك لي أحك لكَ ” أي: أنا أزكيك وأنسّب اسمك وأنت تسلك أموري. أو بصورة معبّرة أخرى جاءت في المثل: “أضِيء لي أقدح لك” . ومن الغريب أن يتم ترويج من يتم تعيينهم بوضع هالاتٍ عليهم وتعظيمِ سِيَِرهِم الذاتية والإيهام بحملهم أرقى الدرجات الجامعية وألقابها.. والتفنن في اختراع انجازاتٍ وهميةٍ لهم على الصعيد المحلي والدولي! وفي السياق عينه، يتندّرُ البعضُ أن فلاناً جرى تعيينه في منصب كذا.. بهدف استقطابه فلا يعود يشرق ويغرب.. ويتساءلون: تُرى ماذا لو اقتدينا به وفعلنا ما فعل لكان وَصَلْنا وترقينا واحتصلنا – ولو بعد خدمة شهورٍ قليلةٍ- على راتبٍ تقاعديٍ محترمٍ بالإضافة لامتيازاتٍ لا تعد ولا تحصى!
إن عدم تعيين الرجل المناسب في المكان المناسب، وإدارة الظهر للمعايير والآليات المفترضة في التعيينات وتغليب المحسوبية والزَبونية من العوائق الأساسية أمام التحول الديمقراطي الحقيقي. يواكب هذا ما يترتب على الإحالة على التقاعد من التزامات مالية كبيرة تتكبدها الخزانة الحكومية مما يزيد الأعباء عليها أيّما زيادة! ولعل الفساد الأعظم يتبدى عند إعادة تعيين من ثبت تقصيره وعجزه في مركز سابق فيقلد منصباً جديداً أرفع، وكأن المراد الترخيص له للتمادي أكثرَ فأكثرَ، هذا إلى جانب ارتفاع راتبه كلما عُيّن من جديدٍ وتقاعد من جديد!
إن المنصب الرسمي هو للخدمة والتضحية وبذل الطاقات في سبيل الأردن والخير العام وليس للجاه والوجاهة. كما أن أيّ مسؤول يتمّ تعيينه لا يحق له أن يستخدم موظفيه الذين يقربهم منه أكثرَ حال تعيينه أو مَن يعيّنهم لاحقاً من أقرباء وأحباء فزاعة لإخافة الموظفين الآخرين! ولا يجوز له أيضاً أن يزكي وينسّب من يتنفع منهم لنيل الأوسمة والجوائز والعطايا ويتجاهل الذين يعملون بكفاءة عالية وذكاءٍ متوقدٍ.
وإن ذهبت لحضور محاضرة لأحد هؤلاء الذين تم تعيينهم ..فإن الذهول سيعتريك ! فما أن يجابه المحاضر بالأسئلة حتى يتهرب لعدم إلمامه بمضمون الورقة التي بين يديه، ولا بالأرقام والمعلومات التي نطق بها إن كانت المحاضرة علمية، فهو في نظر نفسه أعلى من أن يكلف نفسه ربع ساعةٍ لدراستها قبل حضوره، فيقول: الوقت ضيق ولا يتسع للإجابة ويحتاج الرد إلى محاضرة أخرى.. على أي حالٍ مكاتبنا مفتوحة شرّف وسنعطيك ما تشاء من معلومات! ومنهم من يجهل الدوائر التابعة لاختصاصه ومهامها سواء في عمان أم تلك المنتشرة في المدن الأخرى لأنه لم يكلف نفسه بزيارتها! فتراه يلتفت طالباً عونَ أحدِ مساعديه للإجابة. ولن أخوض في جهل البعض بتاريخ أردننا المجيد وخريطة مدنه وقراه، وإن تدخلت متسائلاً مصوّباً حديثه، التفّ وتأرجح مقدماً أيّ كلامٍ.. طبعاً يكون قد أحضر معه أحد المساعدين ليتدخل في الوقت الملائم بسؤالٍ متفقٍ عليه لإبعاد النظر عن مجريات الأسئلة المحرجة!
إن الارتقاء بعمل أيّ موقعٍ رسمي وبعث روح الحياة فيه من جديد يتطلبان إعادة النظر في مدى كفاءة أصحاب الشأن في تلك المواقع من الأمناء العامين إلى المساعدين إلى المستشارين إلى مدراء الدوائر والأقسام وصولاً لكوادر السكرتاريا الذين يتصرفون وكأنهم أصحاب القرار الأول! ولا بأس أن يصار إلى الإجراء عينه في مؤسساتنا التعليمية وخصوصاً الجامعات للتأكد من مستوى كفاءة ومقدرة النواب والمساعدين والعمداء ورؤساء الأقسام وسائر المرتبات ومستوى انجازاتهم، وهل الرجل المناسب فعلاً في الموقع المناسب، لأن الجامعات هي بوابات العصر ؛ وكلمة العصر يجب التركيز عليها وتفهّمها على أصولها”.
كاتبٌ وباحث: حنا ميخائيل سلامة

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا