فادي السمردلي يكتب: لماذا بقي وصفي التل حاضراً في ذاكرة الأردنيين؟

بقلم فادي زواد السمردلي  ……

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

هناك رجال لا تنتهي حكايتهم عند لحظة رحيلهم، لأن حضورهم لم يكن مرتبطاً بكرسي أو منصب، بل كان مرتبطاً بفكرة أكبر من الأشخاص فبعض القادة يتركون وراءهم أسئلة لا تنتهي، وبعض الرجال يصبحون جزءاً من ذاكرة الأوطان لأنهم حملوا في حياتهم معنى المسؤولية والانتماء.

ومن بين هذه الشخصيات التي بقي اسمها حاضراً في وجدان الأردنيين الشهيد وصفي التل فبعد سنوات طويلة على رحيله، ما زال اسمه يُذكر عندما يكون الحديث عن رجل الدولة، وعن المسؤول الذي امتلك رؤية واضحة، وشخصية قوية، وإيماناً عميقاً بأن بناء الوطن يحتاج إلى رجال يعرفون معنى الواجب.

لم يكن وصفي التل في نظر الكثيرين مجرد رئيس وزراء شغل منصباً في مرحلة من تاريخ الأردن، بل كان شخصية ارتبطت بصورة المسؤول الذي يحمل الدولة في قلبه وعقله فكان يرى أن المنصب ليس امتيازاً يحصل عليه الإنسان، بل مسؤولية ثقيلة يحاسب عليها أمام الوطن والتاريخ.

وربما السؤال الذي يطرح نفسه اليوم لماذا بقي وصفي التل حاضراً رغم تغير الأجيال والظروف؟

لأن الناس لا تحفظ الأشخاص بسبب مواقعهم فقط، بل بسبب مواقفهم فالذاكرة الشعبية لا تحتفظ بمن جلس على الكرسي، بل بمن ترك أثراً خلفه ووصفي التل ارتبط في ذاكرة كثير من الأردنيين بصورة رجل كان يؤمن بأن الدولة تحتاج إلى وضوح في الرؤية، وحزم في القرار، وصدق في العمل.

كانت لديه قناعة بأن الدول لا تبنى بالأمنيات، ولا بالشعارات، بل بالجهد والانضباط والإرادة فقد كان ينظر إلى الأردن باعتباره وطناً قادراً على النهوض رغم قلة الموارد، وأن الثروة الحقيقية ليست فقط في المال والإمكانات، بل في الإنسان الأردني عندما يجد القيادة التي تؤمن بقدراته.

تميز وصفي التل بشخصية قوية وحضور مختلف فكان صريحاً في مواقفه، واضحاً في أفكاره، ويؤمن بأن المسؤول الذي يخشى اتخاذ القرار لا يستطيع قيادة مرحلة صعبة فالدولة في نظره تحتاج إلى من يتحمل المسؤولية، وليس إلى من يبحث عن رضا الجميع.

وهذه ربما إحدى أهم الصفات التي جعلت اسمه باقياً فقد كان يرى أن المسؤولية الوطنية تتطلب أحياناً قرارات صعبة، وأن خدمة الوطن لا تكون دائماً طريقاً سهلاً، بل تحتاج إلى شجاعة وصبر وقدرة على مواجهة التحديات.

ارتبط اسم وصفي التل أيضاً بمفهوم الدولة القوية الدولة التي تقوم على احترام المؤسسات، وسيادة القانون، والانضباط في العمل. ولم يكن يرى الدولة مجرد أجهزة ومكاتب، بل منظومة لها هيبة ورسالة وهدف.

وكان للجيش العربي الأردني مكانة خاصة في رؤيته للدولة فقد أدرك أن الجيش ليس فقط قوة عسكرية تحمي الحدود، بل مؤسسة وطنية تحمل قيم التضحية والانضباط والولاء. فالجيش كان بالنسبة له مدرسة تصنع الرجال وتغرس معنى الواجب والانتماء.

لقد آمن وصفي التل بأن قوة الأردن ليست فقط في إمكاناته المادية، بل في تماسك أبنائه وقوة مؤسساته ولذلك كان ينظر إلى بناء الدولة باعتباره مسؤولية مشتركة بين القيادة والمواطن، وبين المؤسسات والمجتمع.

إن الحديث عن وصفي التل اليوم ليس بحثاً عن الماضي فقط، بل هو محاولة لفهم نوعية القيم التي تحتاجها الدول في كل زمان فالأوطان تحتاج إلى مسؤولين يمتلكون الرؤية قبل المنصب، وإلى قيادات تفكر في المستقبل قبل أن تفكر في الشعبية.

قد تختلف الآراء حول أي شخصية تاريخية، وهذا أمر طبيعي، لكن الشخصيات الكبيرة تُقرأ من خلال أثرها والدروس التي تتركها وما يجعل وصفي التل حاضراً هو أن الكثيرين يرون فيه نموذجاً لرجل كان يحمل مشروعاً للدولة، وليس مجرد إدارة يومية للسلطة.

في زمن تتزايد فيه التحديات، يعود السؤال عن معنى القيادة الحقيقية هل هي القدرة على إدارة الملفات فقط؟ أم القدرة على بناء الثقة، وتحمل المسؤولية، وترك أثر يبقى بعد الرحيل؟

ربما لهذا السبب بقي اسم وصفي التل حاضراً لأن كثيراً من الأردنيين لا يتذكرون فيه فقط رئيس حكومة سابقاً، بل يتذكرون صورة رجل آمن بأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن الدولة تحتاج إلى رجال يضعون المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

إن الأجيال الجديدة لا تحتاج إلى أن تعيش الماضي، لكنها تحتاج إلى أن تفهم القيم التي صنعت مراحل مهمة من تاريخ الأردن قيمة العمل، وقوة القرار، والالتزام، والإيمان بأن خدمة الوطن شرف ومسؤولية.

وفي النهاية، فإن الرجال يرحلون، لكن مواقفهم تبقى شاهدة عليهم وقد بقي وصفي التل في الذاكرة الأردنية لأن اسمه ارتبط بمعنى يتجاوز المنصب معنى رجل آمن بالدولة، ودافع عن مشروعها، وعاش من أجل فكرة أن الوطن يستحق دائماً الأفضل.

فالأوطان لا تحفظ أسماء أبنائها فقط، بل تحفظ أولئك الذين جعلوا من حب الوطن عملاً، ومن المسؤولية طريقاً، ومن الدولة رسالة.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا