ماذا يفكر الإسرائيلي وماذا يفكر الفلسطيني؟

بقلم د. تيسير فتوح حجة. ……

الأمين العام لحزب العمال الفلسطيني تحت التأسيس
في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، لا تكمن المشكلة فقط في اختلاف المواقف السياسية، بل في اختلاف الصورة التي يحملها كل طرف عن نفسه وعن الآخر.
الإسرائيلي، في جزء كبير من مجتمعه، ينظر إلى القضية من زاوية الأمن والخوف والتهديد، ويعتقد أن القوة العسكرية هي الضمان الأساسي لبقاء إسرائيل. وتظهر استطلاعات الرأي الإسرائيلية أن التشاؤم من إمكانية تحقيق سلام دائم مع الفلسطينيين أصبح أكثر وضوحاً؛ ففي استطلاع لـ«بيو» عام 2025، لم يرَ سوى 21% من الإسرائيليين إمكانية التعايش السلمي بين دولة إسرائيل ودولة فلسطينية مستقله.
أما الفلسطيني، فيفكر من زاوية مختلفة تماماً: الأرض والحرية والكرامة والعدالة وحق تقرير المصير. فهو يرى أن أصل المشكلة ليس الخوف الإسرائيلي وحده، وإنما استمرار الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأرض وغياب الدولة الفلسطينية المستقلة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
الإسرائيلي يبحث عن الأمن قبل السلام، والفلسطيني يبحث عن الحرية قبل الاستقرار.
لكن لا يمكن لأي طرف أن يحصل على ما يريد بصورة دائمة بإلغاء حقوق الطرف الآخر.
المشكلة أن كل طرف ينظر إلى معاناة الآخر من خلال عدسته الخاصة. الإسرائيلي يرى الفلسطيني باعتباره خطراً محتملاً، والفلسطيني يرى الإسرائيلي باعتباره صاحب قوة واحتلال. وبين هاتين الصورتين تضيع حقيقة أساسية: أن استمرار الصراع لا يصنع أمناً دائماً للإسرائيلي، ولا يصنع حرية للفلسطيني.
والأخطر أن السياسة الإسرائيلية، خصوصاً في السنوات الأخيرة، دفعت قطاعات واسعة من المجتمع نحو مزيد من التشدد، بينما أدت سنوات الاحتلال والحصار والاستيطان إلى تعميق اليأس والغضب الفلسطيني. وتشير استطلاعات إسرائيلية إلى أن انعدام الثقة بين الطرفين يُنظر إليه باعتباره أحد أكبر عوائق السلام.
فماذا نريد نحن الفلسطينيين؟
نريد أن يفهم الإسرائيلي أن الفلسطيني ليس رقماً أمنياً، بل شعب له حقوق وطنية وسياسية وإنسانية. وفي الوقت نفسه، يجب أن ندرك نحن أن بناء مشروعنا الوطني يحتاج إلى وحدة داخلية، ومؤسسات ديمقراطية، واستراتيجية سياسية واضحة، وعدم ترك مستقبل شعبنا رهينة للانقسام.
ومن هنا فإن موقف حزب العمال الفلسطيني واضح: لا أمن حقيقياً دون عدالة، ولا سلام دائماً دون حقوق وطنية فلسطينية، ولا مستقبل للمنطقة من خلال استمرار الاحتلال والقوة وحدهما.
لقد جُرّبت القوة لعقود، ولم تُنهِ الصراع. وجُرّبت المفاوضات دون توازن حقيقي في موازين القوى، ولم تحقق الدولة الفلسطينية.
لذلك آن الأوان للانتقال من سؤال: من ينتصر على الآخر؟
إلى سؤال أكثر عقلانية: كيف يستطيع الشعبان أن يخرجا من دائرة الدم والخوف إلى دائرة الحقوق والأمن والسلام؟
فالإسرائيلي يحتاج أن يتخلى عن وهم أن الأمن يمكن أن يتحقق إلى الأبد بالقوة، والفلسطيني يحتاج إلى تحويل غضبه المشروع إلى مشروع وطني موحد وقادر على تحقيق الحرية والاستقلال.
**وفي النهاية، لن يستطيع أحد أن يلغي الآخر من هذه الأرض، لكن يستطيع الطرفان أن يقررا: إما أن يبقى المستقبل أسيراً للخوف والانتقام، أو أن يصبح قائماً على الاعتراف بالحقوق والكرامة والعدالة.*

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا