التطبيع ليس علاقة سياسية فقط… بل معركة على الوعي والأرض والإنسان

بقلم: المحامي عمر محمد زين*‏  ……..

عندما يُطرح مفهوم «التطبيع» في منطقتنا، غالباً ما ينصرف الذهن مباشرة إلى إقامة علاقات ‏دبلوماسية أو سياسية بين دولة عربية والاحتلال الإسرائيلي، وكأن التطبيع ينتهي عند فتح سفارة ‏أو توقيع اتفاق أو تبادل الزيارات الرسمية. إلا أن الحقيقة أوسع وأخطر من ذلك بكثير‎.‎
فالتطبيع، في معناه السياسي، هو الانتقال من حالة العداء أو الصراع إلى حالة من الاعتراف ‏والتعامل والعلاقات الطبيعية بين طرفين. لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتجاوز التطبيع الإطار ‏السياسي والدبلوماسي ليتحول إلى تطبيع ثقافي وتربوي واقتصادي وإعلامي وأمني وفني ‏وسياحي، بحيث يصبح وجود الاحتلال وممارساته أمراً عادياً في الوعي العام، ويتم فصل العلاقات ‏والمصالح عن حقوق الشعوب والأرض والعدالة‎.‎
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يمكن أن تكون هناك «علاقات طبيعية» مع طرف ما زالت قضية ‏الأرض والحقوق واللاجئين والاحتلال والتهجير والاستيلاء على الموارد والجرائم الدولية قائمة ‏بشأنه؟
أولاً: ماذا يعني التطبيع؟
التطبيع ليس مجرد ورقة تُوقَّع بين حكومتين، وإنما هو عملية سياسية واجتماعية واقتصادية ‏وثقافية تهدف إلى جعل العلاقة بين طرفين علاقة اعتيادية، بعد أن كانت قائمة على الصراع أو ‏القطيعة أو الرفض‎.‎
ومن هنا ينبغي التمييز بين التعامل السياسي الذي قد تفرضه الظروف الدولية وبين التطبيع الذي ‏يحوّل الاحتلال والاعتداء وانتهاك الحقوق إلى واقع مقبول ومألوف‎.‎
فالتطبيع يصبح أكثر خطورة عندما يُطلب من الشعوب أن تتعامل مع القضية وكأنها انتهت، وأن ‏تنسى تاريخها، وأن تعيد صياغة مناهجها وذاكرتها وثقافتها، وأن تفتح أسواقها وجامعاتها ‏ومؤسساتها أمام علاقات لا تقوم على أساس العدالة وحقوق الإنسان‎.‎
إن المشكلة ليست في مجرد التواصل بين الشعوب، فالتواصل الإنساني والثقافي بين الشعوب في ‏الأصل أمر إيجابي، وإنما في تطبيع الظلم نفسه، وفي تحويل الاحتلال إلى حالة طبيعية، والاعتداء ‏إلى خلاف سياسي عابر، والحقوق التاريخية والقانونية إلى مجرد وجهة نظر‎.‎
ثانياً: التطبيع الثقافي والتربوي والتعليمي
أخطر أنواع التطبيع هو الذي يدخل إلى عقل الإنسان دون أن يشعر‎.‎
فالتطبيع الثقافي يبدأ عندما تتغير صورة الآخر في الوعي العام، وعندما تُمحى من الذاكرة عناصر ‏أساسية من التاريخ، أو يُعاد تقديم الاحتلال باعتباره مجرد «طرف آخر» في نزاع، من دون ‏الحديث عن الاحتلال وحقوق الشعوب والقواعد القانونية الدولية‎.‎

أما في التربية والتعليم والمناهج، فإن المسألة تصبح أكثر حساسية؛ لأن المناهج لا تنقل المعلومات ‏فقط، بل تصنع الوعي وتحدد طريقة فهم الأجيال للتاريخ والجغرافيا والحقوق والهوية‎.‎
فإذا جرى حذف قضية شعب من المناهج، أو تهميش حقوقه، أو تقديم الأراضي المحتلة وكأنها ‏مسألة جغرافية محايدة، فإن التطبيع هنا لا يعود اتفاقاً بين حكومتين، بل يصبح إعادة تشكيل لعقل ‏جيل كامل‎.‎
والأمر ذاته ينطبق على الجامعات‎. ‎فالجامعات يجب أن تكون فضاءً للبحث العلمي الحر، وللحوار، ‏وللدفاع عن الحقيقة، لا أداة لتجاوز الحقوق أو تبييض الانتهاكات. ولذلك فإن التعاون الأكاديمي لا ‏يمكن أن يكون منفصلاً عن المبادئ التي تحكم البحث العلمي وحقوق الإنسان وحرية التعبير‎.‎
ثالثاً: التطبيع في السياحة والاقتصاد والتجارة والصناعة
قد يبدو التطبيع الاقتصادي أقل خطورة من التطبيع السياسي، لكنه في الحقيقة قد يكون أكثر تأثيراً ‏على المدى الطويل‎.‎
فـ السياحة يمكن أن تتحول إلى وسيلة لتقديم الاحتلال بصورة طبيعية ومقبولة، وإلى وسيلة لإعادة ‏إنتاج الرواية التي تنكر حقوق أصحاب الأرض أو تتجاهل تاريخ المكان وسكانه‎.‎
وفي التجارة والأعمال والصناعة، يمكن أن يتحول التطبيع إلى شبكة مصالح تجعل استمرار ‏العلاقة الاقتصادية أهم من المطالبة بالحقوق‎.‎
وهنا يجب أن نطرح سؤالاً جوهرياً‎:‎
هل يجوز أن تصبح الأرباح والمصالح التجارية سبباً لتجاوز حقوق الإنسان والقانون الدولي؟
الجواب من حيث المبدأ واضح: لا يمكن للمصلحة الاقتصادية أن تكون غطاءً لجرائم دولية أو ‏وسيلة لتمويل انتهاكات أو الاستفادة من موارد جرى الاستيلاء عليها بصورة غير مشروعة‎.‎
فالتجارة ليست قيمة منفصلة عن القانون، والاستثمار ليس فوق حقوق الإنسان، والأعمال التجارية ‏لا تمنح حصانة للانتهاكات‎.‎
ومن هنا تبرز مسؤولية الشركات ورجال الأعمال والمستثمرين في معرفة مصدر الأموال والموارد ‏والأراضي التي تقوم عليها المشاريع، وعدم الاستفادة من عمليات مصادرة أو استيلاء غير مشروع ‏على ممتلكات أو موارد طبيعية‎.‎
رابعاً: التطبيع في الفن والإعلام
الفن والإعلام من أخطر ساحات الصراع على الوعي‎.‎
فالفيلم والمسلسل والأغنية والكتاب والصورة والبرنامج التلفزيوني ووسائل التواصل الاجتماعي ‏تستطيع أن تفعل خلال دقائق ما لا تستطيع البيانات السياسية أن تفعله خلال سنوات‎.‎

عندما يقدم الاحتلال في الأعمال الفنية باعتباره مجرد واقع طبيعي، أو عندما يجري حذف الضحية ‏من المشهد، أو عندما يتم قلب صورة المعتدي والمعتدى عليه، فإن الفن يتحول من وسيلة للتعبير ‏إلى وسيلة لإعادة تشكيل الوعي‎.‎
أما الإعلام، فمسؤوليته أكبر؛ لأن الإعلام لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يحدد أحياناً كيفية فهمها‎.‎
ومن هنا فإن مواجهة التطبيع الإعلامي لا تعني رفض الحوار أو منع الرأي الآخر، وإنما تعني ‏رفض تزييف الحقائق وتبرير الجرائم وإخفاء الضحية وتحويل الجلاد إلى ضحية والضحية إلى ‏متهم‎.‎
خامساً: ماذا يقول القانون تجاه الإبادة والتهجير واقتلاع الثروة الزراعية؟
هنا نصل إلى المسألة الأكثر أهمية‎.‎
فالتطبيع لا يمكن أن يُناقش بمعزل عن القانون الدولي، وخصوصاً عندما تكون هناك ادعاءات ‏بارتكاب جرائم دولية‎.‎
إن الإبادة الجماعية ليست مجرد وصف سياسي، وإنما جريمة دولية لها تعريف قانوني محدد في ‏اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 وفي نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية‎.‎
وكذلك فإن التهجير القسري للسكان، عندما تتوافر شروطه القانونية، يمكن أن يشكل جريمة دولية، ‏وقد يدخل في إطار الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب بحسب الظروف‎.‎
أما تدمير الأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار والمحاصيل وتجريف الأراضي، فلا ينبغي النظر ‏إليه دائماً باعتباره مجرد ضرر بيئي أو اقتصادي؛ فقد تكون له آثار على بقاء السكان وقدرتهم على ‏الحياة والاستقرار، وقد تترتب عليه مسؤوليات قانونية عندما يتم بصورة غير مشروعة وفي سياق ‏نزاع مسلح أو سياسة تستهدف السكان المدنيين‎.‎
والأخطر من ذلك هو وضع اليد على الثروات الطبيعية، سواء كانت على الأرض أو في البحر‎.‎
فالموارد الطبيعية ليست ملكاً مباحاً لمن يفرض سيطرته بالقوة. والقانون الدولي يميز بين السيطرة ‏الفعلية وبين الحق القانوني في الملكية والسيادة والموارد‎.‎
ومن هنا فإن النفط والغاز والمياه والثروات المعدنية والأراضي الزراعية والثروة البحرية ليست ‏مجرد أرقام في ميزان التجارة، وإنما ترتبط بحقوق الشعوب وبقواعد القانون الدولي وبمسؤولية من ‏يستغلها أو يستفيد منها بصورة غير مشروعة‎.‎
سادساً: المسؤولية القانونية لا تسقط بالتطبيع
وهنا يجب التأكيد على مسألة أساسية‎:‎
التطبيع السياسي لا يمحو الجرائم، ولا يسقط الحقوق، ولا يمنح حصانة قانونية عن الجرائم ‏الدولية‎.‎
فالحقوق لا تسقط بمجرد توقيع اتفاق سياسي، والمسؤولية عن جريمة دولية لا تتحول إلى عدم ‏مسؤولية لمجرد تغير العلاقات بين الدول‎.‎
كما أن مرور الزمن لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإلغاء ذاكرة الشعوب أو إسقاط المسؤوليات، مع ‏مراعاة القواعد القانونية الخاصة بكل جريمة وكل ولاية قضائية‎.‎
ومن هنا تبرز أهمية القضاء الدولي والوطني، وآليات التحقيق والتوثيق، وحفظ الأدلة، وملاحقة ‏المسؤولين وفقاً للقواعد القانونية المختصة‎.‎
سابعاً: وأين يقف الأمن من التطبيع؟
الأمن هو المجال الذي يجب أن يكون التعامل معه بأكبر قدر من الحذر‎.‎
فالتطبيع الأمني لا يعني فقط تبادل المعلومات أو التعاون في مكافحة الجريمة، بل قد يتطور إلى ‏تبادل المعلومات الاستخبارية والتنسيق العسكري والتكنولوجي والأمني‎.‎
وهنا يبرز سؤال سيادي خطير‎:‎
هل يمكن لدولة أن تبني أمنها على التعاون مع طرف تعتبره شعوبها أو دول أخرى طرفاً في ‏نزاع أو احتلال؟
إن التعاون الأمني ليس مسألة تقنية محضة، لأنه يتعلق بالسيادة وبالأمن الوطني وبحماية ‏المعلومات وبمصالح الدولة العليا‎.‎
كما أن إدخال التكنولوجيا وأنظمة المراقبة والبيانات والذكاء الاصطناعي في العلاقات الأمنية يفتح ‏أبواباً جديدة من المخاطر، خصوصاً إذا لم تكن هناك ضمانات واضحة تحمي الخصوصية والسيادة ‏وحقوق الإنسان‎.‎
التطبيع الحقيقي يجب أن يبدأ بالعدالة
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح التطبيع بديلاً عن العدالة، وأن يُطلب من الشعوب أن ‏تنسى الجرائم قبل أن تُعالج أسبابها، وأن تقبل الواقع قبل أن تُحل قضايا الاحتلال والتهجير ‏واللاجئين والحدود والموارد والحقوق‎.‎
نحن لا ندعو إلى العداء بين الشعوب، ولا إلى الكراهية، ولا إلى إلغاء حق الإنسان في التواصل ‏والحوار؛ بل ندعو إلى أن تكون العلاقات الدولية قائمة على العدالة والقانون والحقوق المتساوية ‏وكرامة الإنسان‎.‎
فالسلام الحقيقي ليس أن يصمت الضحية، وليس أن يُطلب من صاحب الأرض أن ينسى أرضه، ‏وليس أن تتحول الجريمة إلى صفحة في كتاب التاريخ‎.‎
السلام الحقيقي هو أن يصبح القانون أقوى من القوة، والحق أقوى من السلاح، والإنسان أقوى ‏من الاحتلال‎.‎

أما التطبيع الذي يتجاهل الإبادة والتهجير والاستيلاء على الأرض والثروات، ويطلب من الثقافة ‏والتعليم والإعلام والفن والاقتصاد أن تساهم في نسيان هذه الحقائق، فهو ليس مجرد علاقة طبيعية ‏بين دولتين؛ بل هو مشروع لإعادة صياغة الوعي والذاكرة والمصالح‎.‎
ولهذا فإن المعركة ليست فقط على السفارات والاتفاقيات، وإنما على المدرسة والجامعة والكتاب ‏والسينما والإعلام والسوق والمصنع والجامعة والسياحة والأمن‎.‎
ومن هنا يجب أن يبقى المعيار واضحاً‎:‎
لا تطبيع مع الجريمة، ولا سلام مستداماً من دون عدالة، ولا استقراراً حقيقياً فوق حقوق ‏الشعوب‎.‎
من هنا تصبح مقاومة التطبيع واجباً إنسانياً ووطنياً وأخلاقياً ودينياً وشرعياً لا بد أن يمارسه شعبنا ‏العربي في كل دولة متماسكاً ومتضامناً ليكن سنداً منيعاً ضد كل أعدائه وفي مقدمتهم الكيان ‏الصهيوني والصهيونية العالمية والمتحالفين معهما. ‏

أمين عام اتحاد المحامين العرب (سابقاً)‏

قد يعجبك ايضا