فادي السمردلي يكتب: الشباب الأردني… بين حلم البقاء وقرار الرحيل
بقلم فادي زواد السمردلي ……
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
في كل بيت أردني تقريباً هناك شاب يحلم بالمستقبل. شاب أنهى دراسته، أو ما زال يبحث عن فرصة، أو يعمل في وظيفة لا تشبه طموحه، أو يفكر في السفر لأنه لم يعد يعرف إلى أين يمكن أن يصل إذا بقي في مكانه.
وهنا لا أريد أن ألوم الشاب الأردني عندما يفكر بالرحيل فالشاب عندما يبحث عن فرصة خارج وطنه لا يعني بالضرورة أنه لا يحب الأردن فقد يكون يحب وطنه، لكنه يريد أن يعيش حياة كريمة، وأن يشعر أن تعبه ودراسته وطموحه يمكن أن تجد مكاناً لها.
هذه القضية أصبحت أكبر من موضوع السفر نفسه نحن نتحدث عن جيل كامل يحمل الشهادات والأفكار والطموح، لكنه في كثير من الأحيان يقف أمام سؤال صعب ماذا بعد؟ وماذا يمكن أن أفعل بعد سنوات الدراسة إذا لم أجد فرصة حقيقية أبدأ بها حياتي؟
الشاب الذي أمضى سنوات في الجامعة، وأنفق أهله من أعمارهم وأموالهم حتى يصل إلى الشهادة، يريد في النهاية فرصة حقيقية. هو لا يريد وظيفة من باب المجاملة، ولا يريد أن يسمع دائماً أن عليه أن يصبر. الصبر قيمة جميلة، لكن الصبر يحتاج إلى أمل، والأمل يحتاج إلى طريق واضح.
ولعل المشكلة ليست في الشباب أنفسهم فشباب الأردن ليسوا أقل قدرة من غيرهم، ولدينا نماذج كثيرة لشباب أردني نجح داخل الأردن وخارجه، في الطب والهندسة والتكنولوجيا والاقتصاد والجيش والتعليم وغيرها من المجالات، وأثبتوا أن الأردني يستطيع أن ينجح عندما تتوفر له الفرصة.
المشكلة الحقيقية هي كيف نستطيع أن نحول هذه الطاقة الكبيرة إلى قوة داخل الوطن فالشاب الذي يسافر اليوم قد يكون غداً طبيباً أو مهندساً أو صاحب مشروع أو خبيراً تستفيد منه دول أخرى، والسؤال الذي يجب أن نسأله ليس لماذا ذهب، بل ماذا فعلنا حتى يشعر أن وطنه بحاجة إليه؟
أنا لا أعتقد أن الحل هو أن نقول للشباب لا تسافروا. السفر ليس عيباً، والبحث عن الخبرة والعمل ليس خيانة للوطن ولكن المؤلم أن يصبح السفر في نظر بعض الشباب هو الخيار الوحيد، وأن يشعر الإنسان أن النجاح لا يمكن أن يتحقق إلا إذا غادر، وأن الفرصة دائماً موجودة في مكان آخر.
وهنا نصل إلى مسؤولية الدولة والقطاع الخاص والمجتمع والأسرة أيضاً فالدولة مطالبة بفتح المجال أمام الاستثمار والعمل والإبداع، والقطاع الخاص مطالب بأن ينظر إلى الشباب باعتبارهم استثماراً للمستقبل، والمجتمع مطالب بأن يتوقف عن إحباط كل شاب يحاول أن يبدأ مشروعاً أو يسلك طريقاً مختلفاً.
أما الأسرة الأردنية، فقد قدمت الكثير من أجل أبنائها فكم من أب عمل سنوات طويلة حتى يستطيع تعليم أبنائه؟ وكم من أم انتظرت أن ترى ابنها أو ابنتها في وظيفة تليق بتعب سنوات الدراسة؟ لهذا فإن قضية الشباب ليست قضية أرقام وإحصاءات فقط، بل هي قضية أسر كاملة وأحلام مؤجلة.
والأخطر من البطالة نفسها هو أن يفقد الشاب ثقته بأن الغد يمكن أن يكون أفضل فالإنسان يستطيع أن يتحمل ضيق الحال فترة من الزمن، لكنه عندما يفقد الأمل يبدأ في الابتعاد عن كل شيء، وقد يشعر أن كل ما بذله من جهد لم يكن له معنى.
نحن بحاجة إلى أن نقول لشبابنا بوضوح.هذا الوطن يحتاجكم ولكن هذه الجملة وحدها لا تكفي يجب أن يشعر الشاب فعلاً بأن الأردن يحتاج إلى علمه وفكرته ومشروعه، وأنه يستطيع أن يجد فرصة عادلة، وأن يعرف أن الكفاءة يمكن أن تفتح له الباب، وأن العمل الجاد يمكن أن يقوده إلى مكان أفضل.
والشباب أيضاً عليهم مسؤولية. فلا يمكن أن نحمّل الدولة والمجتمع كل شيء وعلى الشاب أن يطور نفسه، وأن يتعلم مهارات جديدة، وأن يعمل ويجرب، وألا ينتظر دائماً الوظيفة التقليدية فالعالم تغير، وفرص العمل تغيرت، والنجاح اليوم يحتاج إلى معرفة ومهارة وإصرار وقدرة على التكيف.
لكن علينا في الوقت نفسه أن نكون واقعيين فليس كل شاب يستطيع أن يبدأ مشروعاً، وليس كل شاب لديه رأس مال أو علاقات أو فرصة مناسبة لذلك فإن بناء بيئة عادلة للفرص مسؤولية وطنية وليست مسؤولية فردية فقط، لأن تكافؤ الفرص يجب أن يكون جزءاً من أي مشروع حقيقي لمستقبل الشباب.
وأعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول طموح الشباب من سؤال “كيف أبني مستقبلي في الأردن؟” إلى سؤال “كيف أخرج من الأردن؟”. هذه ليست مشكلة شاب واحد، بل جرس إنذار يجب أن يسمعه الجميع، لأن الوطن الذي يفقد طموح شبابه يفقد جزءاً من مستقبله.
الأردن لم يبنه جيل واحد الآباء والأجداد عاشوا ظروفاً أصعب، وبنوا مؤسسات الدولة، وعملوا في الزراعة والجيش والتعليم والإدارة، وتحملوا الكثير حتى وصل الوطن إلى ما هو عليه اليوم واليوم جاء دور جيل جديد ليكمل المسيرة، ولكن بطريقة تناسب عصره وتحدياته.
ربما نحتاج إلى تغيير نظرتنا إلى الشباب. لا نريد منهم فقط أن يكونوا موظفين ينتظرون نهاية الشهر، بل نريدهم أصحاب أفكار ومشاريع ومبادرات، ونريد أن نمنحهم مساحة ليجربوا ويخطئوا وينجحوا فالمجتمع الذي يخاف من تجربة شبابه لن يستطيع أن يبني مستقبله.
ونحتاج أيضاً إلى أن نعيد احترام العمل بكل أشكاله. فلا عيب في مهنة، ولا قيمة للإنسان تأتي فقط من المسمى الوظيفي فالأردن يحتاج إلى الحرفي كما يحتاج إلى الطبيب، ويحتاج إلى المبرمج كما يحتاج إلى المعلم، ويحتاج إلى صاحب المشروع كما يحتاج إلى الموظف، وكل عمل شريف هو مساهمة في بناء الوطن.
وفي النهاية، فإن قضية الشباب هي قضية الأردن نفسه فإذا نجح الشباب، نجح الوطن، وإذا فقد الشباب الأمل، فإن المشكلة لن تتوقف عند حدودهم، بل ستصل إلى الأسرة والمجتمع والاقتصاد ومستقبل الدولة. لذلك لا نريد أن يكون أمام الشاب الأردني خياران فقط البقاء بلا فرصة أو الرحيل بحثاً عنها.
نريد أن يكون أمامه خيار ثالث، وهو أن يبقى لأنه وجد في وطنه فرصة تستحق أن يتمسك بها فالأردن لا يحتاج إلى أن يمنع أبناءه من السفر، بل يحتاج إلى أن يجعل البقاء خياراً يستحق التفكير، وأن يجعل النجاح في الوطن حلماً ممكناً وليس مجرد أمنية.
وفي النهاية، ربما تكون الرسالة الأهم إلى شباب الأردن لا تفقدوا الأمل فقد يكون الطريق صعباً، وقد تتأخر الفرصة، وقد تضطرون إلى السفر أو تغيير الطريق أكثر من مرة، لكن الوطن الذي نريد أن نبنيه يحتاج إلى طموحكم وعلمكم وأفكاركم.
فالذين سيكتبون الفصل القادم من قصة الأردن ليسوا فقط الذين سبقونا، بل أنتم. والسؤال الذي يجب أن يبقى أمامنا جميعاً ليس فقط لماذا يرحل الشباب؟ بل السؤال الأهم ماذا سنفعل حتى يصبح حلم الشباب الأردني أن ينجح في وطنه، لا أن ينجح بعيداً عنه؟
الكاتب من الأردن