الضفة الغربية.. المستوطنون يستولون على عيون المياه ويحولونها إلى مسابح

ويأتي كل هذا في إطار مخطط ممنهج يهدف إلى تهجير السكان وخنق اقتصادهم الزراعي.

في قرية فصايل الواقعة في غور الأردن الخصب، يقدم المزارع الفلسطيني سعد نمر صورة حية لهذه المعاناة. فقبل 3 أشهر، استولى مستوطنون على خط أنابيب الري الخاص بأراضيه، وحولوا مسار المياه إلى بركة قديمة في موقع أثري قريب، تاركين حقوله التي كانت تزخر بالباذنجان والكوسا والبطيخ لتواجه الجفاف.

ويقول نمر: “قطعوا خط الماء واستولوا عليه.. 3 أشهر مرت ولا نقطة ماء واحدة وصلت لنا لنتمكن من الزراعة”. ولم تقتصر الأضرار على المحاصيل فحسب، بل امتدت لتهدد مصادر رزق عائلات بأكملها، وسط اعتداءات جسدية وتهديدات طالت العمال والمزارعين الذين حاولوا الاقتراب من العين.

وبدلا من تعويض المزارعين، روج المستوطنون للموقع على أنه “معلم سياحي إسرائيلي” يحمل اسم “برك هيرودس”، مدعومين بتمويل مالي ضخم من وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الذي رصد 3 ملايين شيقل (نحو مليون دولار) لما أسماه “ترميم وتطوير” الموقع. ورغم امتلاك نمر لوثائق ملكية رسمية وخرائط مسجلة منذ عام 1957 تثبت أن العين والبركة تقعان ضمن أراضيه، إلا أن المناشدات للجهات العسكرية الإسرائيلية المختصة قوبلت بالتجاهل التام.

ولا تقتصر هذه الممارسات على قرية فصايل، بل تمثل نمطا واسع النطاق. فبحسب بيانات الأمم المتحدة، شن المستوطنون الإسرائيليون هجمات على ما لا يقل عن 160 موقعا للمياه والصرف الصحي في أنحاء الضفة الغربية خلال العام الجاري.

وفي مقابلة لـ “SwissInfo”، يصف عادل ياسين، مدير عام التخطيط في سلطة المياه الفلسطينية، هذه الممارسات بـ”الحرب على المياه”، معتبرا إياها “هجوما صامتا بلا رصاص، لكنه أشد فتكا؛ فالرصاصة تقتل فردا، أما قطع المياه فيقتل مجتمعا بأكمله”.

وفي هذا السياق، يقدر الباحث الميداني الفلسطيني فارس فقهاء أن المستوطنين سيطروا حاليا على نحو 95% من عيون المياه في شمال غور الأردن، مما أدى إلى موجات تهجير قسري للسكان المحليين. وتتعدد أشكال الحصار المائي، ففي بلدة قصرة، فرض المستوطنون حصارا خانقا على عدة منازل عبر قطع المياه والكهرباء عنها، بينما توافد المئات منهم إلى “وادي الباذان” قرب نابلس، أحد آخر المتنفسات المائية المتبقية للفلسطينيين، وسيطروا على جلساته وجداوله.

وتعكس تصريحات المستوطنين على الأرض حجم الغطرسة والانتهاك. ففي إحدى زياراته للسباحة في بركة فصايل، تفاخر المستوطن يشاي شرايبر (21 عاما) بأن التواجد اليهودي المكثف بات يرعب الفلسطينيين ويمنعهم من الاقتراب، زاعما أن “الضفة الغربية تنتمي للشعب اليهودي، وعلى الفلسطينيين الرحيل إذا لم يقبلوا بالسلطة اليهودية”.

ولتبرير هذا الاستيلاء، يوظف المستوطنون الروايات التاريخية، حيث نشر زعيم المستوطنين إلياف ليبي – الخاضع لعقوبات دولية – مقاطع مصورة لملء البركة، مدعيا أنها كانت ملكا للملك هيرودس في العهد التوراتي

. لكن عالم الآثار الإسرائيلي ألون أراد من منظمة “عيمق شفيه” الحقوقية، يفند هذه الرواية، مؤكدا أن منشأ البركة غير واضح، وأن المستوطنين يستخدمون علم الآثار كأداة سياسية لخلق انطباع بأن الضفة الغربية “يهودية حصرية”، مشيراً إلى أن ملء الموقع الأثري بالماء يتسبب في أضرار جسيمة لتاريخ المنطقة.

 

المصدر: SwissInfo

قد يعجبك ايضا