فادي السمردلي يكتب: الجيش العربي الأردني… مدرسة الوطن التي لا تغيب

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

عندما نتحدث عن الأردن، هناك أسماء ومؤسسات ارتبطت في وجدان الأردنيين بمعنى الوطن نفسه ومن بين هذه المؤسسات يبقى الجيش العربي الأردني في مقدمة الصورة، ليس فقط لأنه يحمي الحدود، بل لأنه كان وما زال مدرسة يتعلم فيها الأردني معنى الانضباط والتضحية والوفاء.

أنا كأردني، عندما أسمع اسم الجيش العربي، لا أتذكر السلاح والمعارك فقط، بل أتذكر الجندي الذي يترك بيته وأهله ويذهب إلى موقعه، وقد لا يعرف متى يعود أتذكر الأب الذي يودع ابنه، والأم التي تنتظر، والأسرة التي تعرف أن ابنها يؤدي واجباً أكبر من حياته الشخصية.

الجيش العربي لم يكن مؤسسة ولدت مكتملة، بل نشأ مع بدايات الدولة الأردنية وتطور معها ومع مرور السنوات أصبح واحداً من أهم أعمدة الدولة الحديثة، وشارك أبناؤه في الدفاع عن الأردن، وفي محطات كثيرة من تاريخ المنطقة، وقدم الشهداء الذين بقيت أسماؤهم حاضرة في ذاكرة الوطن.

ومن أجمل ما يميز الجيش الأردني أنه جمع الأردنيين تحت راية واحدة ففي صفوفه لا يكون السؤال الأول عن المنطقة أو العشيرة، بل عن الواجب الجندي يقف إلى جانب زميله لأنه أخوه في السلاح، ويجمعهما هدف واحد هو حماية الأردن وخدمة الوطن.

وهذا المعنى مهم جداً في حياتنا اليوم فالجيش يذكرنا دائماً بأن الهوية الأردنية أكبر من أي انتماء فرعي، وأن العشائر كلها تنتهي عند راية الوطن التي تجمع الجميع وعندما يقف الجندي في موقعه، فهو لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل الأردن كله.

لقد قدم الجيش العربي الأردني تضحيات كبيرة عبر تاريخه. وهناك جنود لم يعودوا إلى بيوتهم، وتركوا وراءهم عائلات وأبناء وذكريات فهؤلاء الشهداء لا يجب أن يكونوا مجرد أسماء في المناسبات، بل جزءاً من الذاكرة الوطنية التي يجب أن تعرفها الأجيال الجديدة.

وأعتقد أن الشهيد بالنسبة لنا ليس رقماً في كتاب التاريخ فالشهيد كان ابناً وأباً وأخاً وصديقاً، وكان لديه بيت ينتظره وأحلام يريد أن يحققها، لكنه عندما جاء وقت الواجب قدم أغلى ما يملك وهذه التضحية وحدها تجعلنا نقف احتراماً أمام كل شهيد من شهداء الأردن.

كما أن قوة الجيش لا تقاس فقط بما يملكه من معدات وسلاح، بل بالإنسان الموجود داخله فالجندي الأردني يتعلم الصبر والانضباط وتحمل المسؤولية والعمل في أصعب الظروف وهذه القيم لا تبقى داخل الثكنة فقط، بل تنتقل مع الإنسان إلى حياته ومجتمعه.

وقد لعب الجيش أيضاً دوراً في بناء الإنسان الأردني، فالكثير من أبناء الوطن وجدوا في المؤسسة العسكرية مدرسة للحياة فتعلموا فيها الاعتماد على النفس، واحترام الوقت، وتنفيذ الواجب، والعمل مع الآخرين، وتحمل المسؤولية في الظروف الصعبة.

وعندما ننظر إلى تاريخ الأردن، نجد أن الجيش كان قريباً من مراحل بناء الدولة فالدولة تحتاج إلى مؤسسات قوية تحمي حدودها وتحافظ على أمنها، والجيش كان دائماً أحد أهم هذه المؤسسات ولهذا أصبحت علاقته بالمجتمع الأردني علاقة عميقة تقوم على الثقة والاحترام.

لكن الحديث عن الجيش لا يعني فقط الحديث عن الماضي. فالجيش العربي الأردني اليوم أمام مسؤولية مستمرة، في عالم تتغير فيه التحديات بسرعة والواجب الوطني يتطلب دائماً تطوير المؤسسة والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا والتدريب، حتى يبقى الجيش قادراً على أداء دوره في حماية الوطن.

وأنا أعتقد أن الأجيال الجديدة تحتاج إلى أن تعرف أن الأمن والاستقرار الذي نراه في حياتنا اليومية لم يأتِ من فراغ فهناك رجال ونساء يعملون بعيداً عن الأضواء، وهناك جنود يقضون أيامهم ولياليهم في مواقع مختلفة، بينما نحن نعيش حياتنا بشكل طبيعي.

وهذا لا يعني أن نطلب من المواطن أن يعيش في الخوف أو أن يرى الأمن من زاوية واحدة بل يعني أن نقدر قيمة المؤسسات الوطنية، وأن نفهم أن احترام الجيش واحترام القانون واحترام الدولة جزء من الحفاظ على الوطن الذي نعيش فيه.

الجيش العربي الأردني بالنسبة لي ليس مجرد مؤسسة عسكرية فهو صورة من صور الأردن الذي أعرفه ،الأردن الذي يجتمع فيه أبناء العشائر تحت راية واحدة، والأردن الذي قدم أبناؤه الشهداء حتى يبقى الوطن آمناً ومستقراً.

وفي النهاية، عندما نقول الجيش العربي الأردني فنحن لا نتحدث عن الماضي فقط، بل عن رجال يقفون اليوم في مواقعهم، يؤدون واجبهم بعيداً عن أهلهم، ويحملون مسؤولية لا يشعر بثقلها إلا من عاشها.

ولهذا سيبقى الجيش في وجدان الأردنيين مدرسة للوطن، وستبقى صور الجنود والشهداء جزءاً من ذاكرتنا الوطنية.

قد تتغير السنوات، وتتغير الظروف، وتتغير أشكال التحديات، لكن تبقى هناك ثوابت لا تتغير وطن نحبه، وجيش نحترمه، وشهداء لا ننساهم.

هذا هو الجيش العربي الأردني… حارس الحدود، ومدرسة الرجال، وواحد من أهم وجوه الأردن الذي نعتز به.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا