غزة تُذبح ونحن نتناحر.. هل نجح الاحتلال في سرقة بوصلتنا؟

محي الدين غنيم   …….

 

ما زال أهلنا في قطاع غزة يواجهون الموت والدمار، وما زالت الدماء تُسفك، والبيوت تُهدم، والأطفال والنساء والمدنيون يدفعون ثمن حرب لا ترحم. ومع ذلك، يبدو أننا في العالم العربي قد بدأنا نفقد بوصلتنا، وننشغل بمعارك داخلية تستهلكنا وتُبعد أنظارنا عن المأساة الكبرى.

الأخطر من المجزرة أن تتحول المأساة إلى خبر عابر، وأن يصبح وجع غزة مادة موسمية، بينما تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للتخوين والتشهير وبث الكراهية بين أبناء الشعب الأردني الواحد.

فجأة أصبحنا نسمع: هذا مجنس، وهذا نازح، وهذا لاجئ، وهذا من أصل كذا، وذاك من منطقة كذا، بل وصل الأمر ببعض الأصوات إلى المطالبة بسحب الجنسية والتشكيك في انتماء مواطنين لوطنهم، وكأن الأردن لا يجمع أبناءه تحت راية واحدة، وكأن المواطنة أصبحت بطاقة تُمنح وتُسحب وفق أهواء أصحاب الخطابات المشبوهة.

ثم انتقلنا إلى معارك مذهبية وطائفية لا تخدم الأردن ولا فلسطين ولا الأمة، وإنما تخدم كل من يريد لهذا المجتمع أن يتشقق من الداخل.

وهنا يجب أن نتوقف ونسأل: من المستفيد؟

لا يجوز أن نرمي الاتهامات جزافاً، ولا أن نعتبر كل صاحب رأي مختلف عميلاً أو منفذاً لأجندة خارجية، لكن من حقنا أن نسأل عن مصادر خطاب الكراهية، وعن الجهات التي تستثمر في الانقسام، وعن ماكينة إعلامية إسرائيلية لطالما أدركت أن تفتيت المجتمعات العربية وإشغالها بصراعاتها الداخلية يخدم أهداف الاحتلال.

لقد أثبتت التجارب أن المجتمع المنقسم أسهل اختراقاً، وأن الشعوب التي تنشغل بتصفية حساباتها الداخلية قد تفقد قدرتها على رؤية الخطر الحقيقي.

والأكثر إيلاماً أن يصل بنا الانقسام إلى درجة الإساءة إلى شهداء غزة، أو السخرية من دمائهم، أو تحويل أخطاء فردية وتصرفات مرفوضة إلى ذريعة لشتم شعب بأكمله.

نعم، من يسيء إلى الأردن وقيادته أو يتطاول على رموزه يجب أن يُحاسب وفق القانون، أياً كان أصله أو مكانه. لكن لا يجوز أن يتحول خطأ شخص إلى حكم على الملايين، ولا أن تتحول إساءة فردية إلى مبرر لإهانة أهل غزة وشهدائها.

غزة ليست خصماً للأردن، والأردن ليس خصماً لغزة

الأردني الذي يقف مع وطنه وقيادته لا يحتاج إلى أن يكره فلسطين، والفلسطيني الذي يحب وطنه وأرضه لا يحتاج إلى أن يسيء إلى الأردن. هذه الثنائية الكاذبة هي التي يجب أن نحطمها قبل أن تحطمنا.

الأردن وفلسطين تربطهما الجغرافيا والتاريخ والدم والقرابة والمصير، والأردن بقيادته الهاشمية كان ولا يزال يحمل القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، ووقف إلى جانب الأشقاء الفلسطينيين سياسياً وإنسانياً.

لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نسمح لمقطع فيديو، أو حساب مجهول، أو خطاب تحريضي، بأن يجعل الأردني يكره أخاه، والفلسطيني يكره أخاه، والمسلم يكره المسلم.

هل هذه هي المعركة التي يجب أن نخوضها؟

بينما غزة تنزف، نحن نتقاتل على الهوية والأصل والمنبت.

بينما الأطفال هناك يبحثون عن الأمان، نحن نبحث عن ذريعة لاتهام بعضنا بعضاً.

بينما الاحتلال يستفيد من الانقسام، نحن نقدم له الانقسام مجاناً.

وهنا أقولها بصراحة: إذا نجح الاحتلال في جعلنا ننسى غزة، ثم جعلنا نتقاتل فيما بيننا، فقد انتصر علينا دون أن يطلق رصاصة واحدة.

علينا أن نعيد ترتيب أولوياتنا.

نختلف سياسياً؟ نعم.

نختلف في الرأي؟ بالتأكيد.

نحاسب المسيء؟ نعم، وبالقانون.

لكن أن يتحول الاختلاف إلى كراهية، والوطن إلى هويات متصارعة، والمواطنة إلى سلاح، وفلسطين إلى ذريعة للطعن في الأردن أو الطعن في الفلسطينيين، فهذه ليست حرية رأي؛ إنها وصفة لخراب اجتماعي لا يعرف أحد أين ينتهي.

يا أبناء الأردن… لا تسمحوا لأحد أن يسرق منكم الأردن.

ولا تسمحوا لأحد أن يسرق منكم فلسطين.

ولا تسمحوا لمنصات الفتنة أن تجعل الدم الفلسطيني مادة للشماتة، أو تجعل الهوية الأردنية مادة للتخوين، أو تجعل الاختلاف المذهبي والطائفي وقوداً لنار لا يستفيد منها إلا أعداء هذه الأمة.

غزة تحتاج منا موقفاً، والأردن يحتاج منا وحدة، وفلسطين تحتاج منا وعياً.

أما الفتنة، فهي لا تصنع وطناً ولا تحرر أرضاً ولا تنصر شهيداً.

فلنرفع رؤوسنا عن مستنقع الشتائم، ولنعد إلى الحقيقة: هناك شعب ما زال يُقتل، وأرض ما زالت تُحتل، وقضية ما زالت تحتاج إلى كل صوت حر.

وغزة التي تقاوم الموت كل يوم تستحق منا أكثر من منشور غاضب، وأكثر من معركة على وسائل التواصل.

تستحق أن تبقى حاضرة في ضمائرنا.

فلا تجعلوا الاحتلال يقتل غزة مرة، ويقتل وحدتنا العربية مرة أخرى.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا