فادي السمردلي يكتب : من القبة إلى المواطن | من يكتب القوانين.. ومن يدفع الثمن؟
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
القانون لا يولد تحت القبة يصل إلى مجلس النواب بعد أن يكون قد قطع طريقاً من الإعداد والدراسة والصياغة، لكن لحظة دخوله المجلس تبدأ مرحلة أخرى مرحلة النقاش والتعديل والتصويت. وهنا لا يعود السؤال فقط هل أُقر القانون؟ بل يصبح السؤال الأهم لمن كُتب؟ من يستفيد منه؟ ومن يتحمل كلفته عندما يتحول من نص على الورق إلى واقع يعيشه الناس؟
هذه هي النقطة التي تستحق أن نتوقف عندها في الحلقة الثانية من «من القبة إلى المواطن». فالقانون ليس مادة جامدة في الجريدة الرسمية، وليس مجرد انتصار سياسي لجهة على أخرى فالقانون قواعد تدخل في تفاصيل حياة الناس قد تحمي حقاً، أو تنظم سوقاً، أو تفرض التزاماً، أو تمنح ميزة، أو ترفع كلفة، أو تغير طريقة حصول المواطن على خدمة ولذلك فإن قيمة أي قانون لا يجب أن تقاس فقط بسرعة إقراره، ولا بعدد المواد التي نوقشت، وإنما بما يحققه بعد دخوله حيز التنفيذ.
مجلس النواب لا يكتب القوانين دائماً من الصفر فكثير من مشاريع القوانين تأتي إلى المجلس من الحكومة، ثم تبدأ رحلة التشريع داخل المؤسسة النيابية فيناقش النواب المشروع، وتبحثه اللجان المختصة، وتُطرح الملاحظات والتعديلات، ثم يصل إلى الجلسة العامة للتصويت وفي كل محطة توجد مسؤولية مسؤولية من صاغ النص، ومسؤولية من ناقشه، ومسؤولية من عدله، ومسؤولية من صوّت عليه.
وهنا تحديداً تبدأ أهمية النائب الحقيقية فالنائب لا يُطلب منه أن يكون مجرد رقم في عملية التصويت والمطلوب أن يقرأ، ويسأل، ويعارض عندما يرى ما يستوجب المعارضة، ويقترح التعديل عندما يكون التعديل ضرورياً، ويستمع إلى الخبراء وأصحاب المصلحة، ويضع مصلحة المواطن والاقتصاد والدولة أمامه قبل أي اعتبار آخر. فالتصويت على قانون ليس لحظة عابرة إنه موقف قد تبقى آثاره سنوات.
والقوانين ليست متساوية في أثرها فهناك قانون يمر على حياة المواطن دون أن يشعر به مباشرة، وهناك قانون يدخل إلى راتبه، وعمله، وبيته، واستثماره، وتعليمه، وصحته، وحقوقه ولهذا يجب أن يكون السؤال حاضراً دائماً من سيدفع كلفة هذا القانون؟
قد يكون المستفيد واضحاً، لكن الكلفة أقل وضوحاً. قد تستفيد فئة معينة، بينما تتحمل فئة أخرى الأعباء فقد يكون القانون ضرورياً، لكن تطبيقه يحتاج إلى قدرة مالية وإدارية غير متوفرة وقد يكون الهدف منه إصلاح خلل حقيقي، لكن صياغة مادة واحدة بطريقة غير دقيقة تفتح باباً لمشكلة جديدة.
وهنا لا تكفي النوايا الحسنة فالقانون الجيد هو الذي يصمد أمام التطبيق، ويحقق الغاية التي وضع من أجلها، ولا يخلق مشكلات أكبر من المشكلة التي جاء لمعالجتها ولذلك فإن مسؤولية البرلمان لا تنتهي لحظة رفع الأيدي والتصويت تبدأ بعدها مرحلة أهم ماذا حدث عندما خرج القانون من القبة ودخل حياة الناس؟
كم قانوناً أُقر ثم احتاج إلى تعديلات بعد فترة قصيرة؟ كم نصاً أثار جدلاً عند تطبيقه؟ كم قانوناً احتاج إلى أنظمة وتعليمات حتى يصبح قابلاً للتنفيذ؟ وكم مرة اكتشفنا أن الفرق بين النص المكتوب والواقع أكبر مما توقع المشرّع؟
هذه الأسئلة ليست انتقاداً لمجلس النواب بقدر ما هي دعوة إلى تطوير مفهوم الرقابة التشريعية فالرقابة لا ينبغي أن تتوقف عند الحكومة أو الوزير؛ يمكن أن تمتد أيضاً إلى أثر التشريع نفسه.
نحتاج إلى أن نسأل بعد مرور أشهر على أي قانون مهم هل حقق الهدف الذي أُقر من أجله؟ هل انخفضت المشكلة التي جاء لمعالجتها؟ هل تحسن وضع الفئة المستهدفة؟ هل ظهرت آثار جانبية؟ هل أصبحت الكلفة أكبر من الفائدة؟ وهل يحتاج القانون إلى تعديل؟
هنا يصبح المواطن جزءاً من عملية تقييم التشريع، لا مجرد متلقٍ له فالمواطن الذي يدفع رسماً جديداً، أو ينتظر خدمة، أو يبحث عن فرصة عمل، أو يفتح مشروعاً، أو يتعامل مع مؤسسة حكومية، هو في النهاية من يختبر القانون الحقيقي فما يُكتب في القبة يختبر في الشارع والسوق والمكتب والجامعة والمستشفى ومكان العمل.
ولهذا فإن العلاقة بين مجلس النواب والمواطن يجب ألا تنتهي عند صندوق الاقتراع فالمواطن أعطى النائب تفويضاً سياسياً، لكن هذا التفويض يحتاج إلى متابعة ومساءلة. ومن حقه أن يعرف: كيف صوّت نائبه؟ لماذا صوّت؟ ماذا اقترح؟ ماذا عارض؟ وما الذي فعله عندما ظهر أثر القانون على الناس؟
وفي المقابل، على النائب أن يدرك أن التصويت ليس نهاية الموقف، بل بداية لمسؤولية أخرى فإذا أقر قانوناً ثم ظهرت مشكلة في تطبيقه، فالمتابعة جزء من دوره وإذا ثبت أن مادة تحتاج إلى تعديل، فالتعديل ليس اعترافاً بالفشل، بل ممارسة طبيعية للعمل التشريعي عندما تكشف التجربة ما لم يظهر على الورق.
القوانين الجيدة لا تُقاس بعدد صفحاتها، ولا بقوة الخطاب الذي رافق إقرارها، ولا بالتصفيق الذي حصلت عليه تحت القبة تُقاس بقدرتها على حل مشكلة، وحماية حق، وتنظيم حياة، وتحقيق توازن عادل بين المصلحة العامة والكلفة التي يتحملها المجتمع.
ومن هنا، فإن السؤال «من يكتب القوانين؟» ليس سؤالاً عن اسم أو جهة فقط إنه سؤال عن منظومة كاملة تبدأ من إعداد مشروع القانون، وتمر بالحكومة واللجان النيابية والنواب والخبراء وأصحاب العلاقة، وتنتهي عند المواطن الذي يعيش النتيجة.
أما سؤال «من يدفع الثمن؟» فلا ينبغي أن يكون اتهاماً مسبقاً، بل معياراً يجب أن يسبق إقرار أي تشريع من سيدفع؟ كم سيدفع؟ لماذا؟ وماذا سيحصل في المقابل؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل التشريع أكثر مسؤولية، وتجعل المواطن شريكاً في فهم القرار لا مجرد متلقٍ له.
في «من القبة إلى المواطن»، لن نكتفي بأن نقول إن قانوناً أُقر. سنحاول أن نتتبع رحلته كاملة من صاغه، من ناقشه، من عدّله، من صوّت عليه، من استفاد منه، ومن تحمل أثره.
لأن القانون لا ينتهي عندما يخرج من القبة.
هناك تبدأ قصته الحقيقية.
ومن هنا يبقى السؤال الذي ستلاحقه هذه السلسلة:
من يكتب القوانين.. ومن يدفع الثمن؟
الكاتب من الأردن