فادي السمردلي يكتب: من القبة إلى المواطن | من القبة إلى جيب المواطن.. ماذا تغيّر؟
بقلم فادي زواد السمردلي …..
.*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
حين يصل النقاش إلى مجلس النواب، قد يبدو الأمر بعيداً عن حياة المواطن اليومية قانون يُناقش، ومواد تُعدّل، وأصوات تُرفع، ثم يُعلن إقرار التشريع. لكن خارج القبة هناك سؤال أكثر مباشرة ماذا يعني كل ذلك للمواطن في جيبه؟
فالسياسة والاقتصاد لا يعيشان في عالمين منفصلي فالقانون قد ينعكس على كلفة سلعة، أو رسماً يدفعه المواطن، أو حق يحصل عليه، أو كلفة يتحملها صاحب عمل، أو فرصة تتاح لشاب يبحث عن وظيفة ولهذا فإن قيمة التشريع لا تقاس فقط بما كُتب في نصه، وإنما بما يحدث عندما ينتقل من الورق إلى حياة الناس.
في الحلقة الثالثة من «من القبة إلى المواطن»، نقترب من المنطقة التي يشعر فيها المواطن بالنتيجة مباشرة دخله، نفقاته، عمله، التزاماته، وقدرته على مواجهة كلفة الحياة.
لكن البداية يجب أن تكون من الحقيقة الأساسية مجلس النواب ليس الجهة الوحيدة التي تحرك الاقتصاد، والنائب ليس مسؤولاً منفرداً عن ارتفاع سعر أو انخفاضه فهناك الحكومة، والسياسات المالية والنقدية، والأسواق، والظروف الإقليمية والدولية، وأسعار الطاقة والسلع، وغيرها من العوامل التي تتداخل في صناعة النتيجة النهائية.
ومع ذلك، يبقى لمجلس النواب دور مهم لأنه يشرّع ويراقب، ويوافق على قوانين وقرارات مالية واقتصادية، ويناقش الموازنات، ويستطيع تعديل التشريعات التي تمس حياة المواطنين وقطاعات الأعمال.
وهنا تبدأ المساءلة الحقيقية عندما يناقش المجلس قانوناً له أثر مالي، هل يُسأل قبل إقراره من سيدفع؟ وكم سيدفع؟ ومن سيستفيد؟
قد يكون التشريع ضرورياً لتحقيق هدف اقتصادي أو مالي، وقد تكون له كلفة لا يمكن تجنبها ولكن المواطن من حقه أن يعرف هذه الكلفة، وأن يفهم مقابل ماذا يتحملها، وهل ستقود في النهاية إلى خدمة أفضل، أو حماية أكبر، أو استقرار مالي، أو فرصة اقتصادية حقيقية.
القانون الذي يفرض رسماً جديداً ليس مجرد مادة قانونية إنه مبلغ يخرج من جيب مواطن والقانون الذي يغير شروط الاستثمار ليس مجرد نص فقد يكون سبباً في إنشاء مشروع أو تعثره والقانون الذي ينظم سوق العمل قد يؤثر في صاحب العمل والعامل معاً والتشريع الذي يمس الضمان أو الضرائب أو الرسوم أو الخدمات قد يصل أثره إلى كل بيت، حتى لو لم يسمع المواطن باسمه تحت القبة.
لهذا لا يكفي أن نعرف أن المجلس أقر قانوناً علينا أن نعرف ماذا يعني هذا القانون للناس؟
هل خفّض كلفة؟ هل رفعها؟ هل خلق فرصة؟ هل فرض التزاماً جديداً؟ هل حمى فئة؟ هل منح ميزة؟ هل عالج مشكلة قائمة؟ وهل كانت النتيجة التي ظهرت على أرض الواقع هي نفسها التي وُعد بها المواطن عند مناقشة التشريع؟
وهنا تأتي أهمية متابعة القوانين بعد إقرارها. فالاختبار الحقيقي لا يحدث داخل قاعة المجلس، وإنما بعد خروج القانون منها عندها يبدأ المواطن بدفع الرسوم أو الحصول على الخدمة أو التعامل مع القواعد الجديدة، وتبدأ الشركات بتعديل حساباتها، وتبدأ المؤسسات بتطبيق النص.
عندها فقط نستطيع أن نسأل هل أصاب التشريع هدفه؟
والأهم ألا ننظر إلى «جيب المواطن» باعتباره مجرد رقم في معادلة مالية فخلف كل دينار يدفعه المواطن قصة أسرة تحاول موازنة دخلها، شاب يبحث عن عمل، صاحب مشروع يحاول الاستمرار، موظف يحسب التزاماته في نهاية الشهر، ومتقاعد يريد أن يحافظ على مستوى معيشته.
لهذا فإن أي تشريع اقتصادي يحتاج إلى عينين مفتوحتين عين ترى حاجة الدولة إلى الإيرادات والتنظيم والإصلاح، وعين أخرى ترى قدرة المواطن على تحمل الكلفة.
المطلوب ليس تشريعات ترضي الجميع، فهذا أمر غير واقعي، وإنما تشريعات واضحة وعادلة ومبنية على دراسة حقيقية للأثر، وتوازن بين مصلحة الدولة ومصلحة المواطن، وتعرف مسبقاً من يتحمل الكلفة ومن يحصل على المنفعة.
وهنا أيضاً تظهر أهمية النائب فقوته ليست في أن يقول «نعم» أو «لا» فقط، وإنما في أن يسأل الأسئلة التي قد لا تكون مريحة ما كلفة هذا القرار؟ من سيتحملها؟ هل توجد بدائل؟ ما أثره على الفئات الأقل دخلاً؟ ماذا سيحدث للقطاعات المتضررة؟ وهل توجد آلية لقياس النتائج بعد التطبيق؟
هذه هي الرقابة التي يشعر بها المواطن.
فالرقابة الحقيقية لا تتوقف عند كشف خطأ أو توجيه سؤال للحكومة فيمكن أن تكون أيضاً في متابعة أثر التشريع على الاقتصاد والمجتمع، والتأكد من أن ما قيل عند إقرار القانون لم يتحول إلى شيء مختلف تماماً عند التطبيق.
وفي النهاية، لا يجوز أن نحاسب مجلس النواب على كل ما يحدث في السوق، كما لا يجوز أن نعفيه من مسؤوليته عن التشريعات التي يقرها والمطلوب هو التمييز الدقيق بين ما صنعه القانون، وما صنعته السياسة الحكومية، وما فرضته الظروف الاقتصادية.
وهذا بالضبط ما سنبحث عنه في «من القبة إلى المواطن»: ليس الانطباع، بل الأثر وليس السؤال فقط ماذا أقرّ النواب؟ بل السؤال الأهم: ماذا تغيّر بعد أن أقرّوه؟
فما يحدث تحت القبة قد يبدو بعيداً، لكن أثره قد يصل إلى أبعد مكان جيب المواطن.
ومن هنا يبدأ الاختبار الحقيقي:
من القبة إلى جيب المواطن.. ماذا تغيّر؟
الكاتب من الأردن