الرمادية… وما أدراك ما الرمادية؟

بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي ……………..

هناك حروب لا تُسمع فيها أصوات المدافع، ولا تُرى فيها الدبابات، ولا تُرفع فيها الرايات، ولكنها قد تكون أخطر من الحروب التي نعرفها؛ لأنها تدخل إلى عقول الناس وقلوبهم من أبواب لا يشعرون بها.
ومن أخطر هذه الحروب اليوم حرب الوعي؛ حرب تبدأ بكلمة، ثم بصورة، ثم بخبر ناقص، ثم بتعليق ساخر، ثم بسؤال يبدو بريئًا، حتى يجد الإنسان نفسه بعد فترة لا يعرف أين يقف، ولا بمن يثق، ولا ماذا يريد.
وهنا تبدأ الرمادية.
والرمادية ليست أن يكون الإنسان صاحب رأي مختلف، فاختلاف الرأي حق، والنقد البناء ضرورة، ومحاسبة المسؤول واجب. وإنما الرمادية أن يصبح الإنسان غير قادر على التمييز بين الحقيقة والإشاعة، وبين النقد والهدم، وبين النصيحة والتحريض، وبين من يريد إصلاح الوطن ومن يريد إضعاف الثقة به.
إن الأردن اليوم بكل مكوناته، وبمؤسساته، وبقيادته، يواجه بيئة إعلامية وسياسية شديدة التعقيد، وفي ظل ما يجري في فلسطين وغزة، والمواقف الأردنية الرافضة للعدوان والتهجير، والضغوط الإقليمية والدولية، يصبح الوعي الوطني أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ولست هنا أقول إن كل خبر يأتي من الخارج مؤامرة، ولا إن كل من ينتقد الأردن عدو له؛ فهذا كلام لا يقبله عقل ولا منطق.
ولكنني أقول: افتحوا أعينكم، واقرؤوا ما بين السطور.
فقد يكون الخبر صحيحًا، ولكن طريقة عرضه مقصودة.
وقد تكون الصورة حقيقية، ولكن توقيت نشرها ليس بريئًا.
وقد يكون النقد مشروعًا، ولكن تكراره بصورة انتقائية قد يصنع في النهاية صورة سوداء عن وطن كامل.
وهنا يأتي دور الدولة.
إن المطلوب ليس أن نطلب من المواطن أن يصدق كل ما تقوله الدولة، بل المطلوب أن تكون الدولة واضحة مع المواطن.
إذا كانت هناك ضغوط سياسية أو اقتصادية تمارس على الأردن، فليُشرح ذلك للناس بلغة بسيطة يفهمها العامل والموظف والطالب والمثقف.
وإذا كان هناك موقف أردني ثابت تجاه فلسطين وغزة، فليُشرح للناس لماذا اتخذ الأردن هذا الموقف، وما هي كلفته، وما هي الضغوط التي يتحملها.
فالمواطن إذا عرف الحقيقة يستطيع أن يحمي وطنه، أما إذا تركناه أمام عشرات الروايات المتناقضة، فسوف يبحث عن الحقيقة عند من يصرخ أعلى صوتًا.
وهنا يأتي دور الإعلام.
نحن بحاجة إلى إعلام لا يعيش على رد الفعل، ولا ينتظر حتى تنتشر الإشاعة ثم يخرج لنفيها.
نحتاج إلى إعلام يبادر، ويشرح، ويكشف، ويبسّط.
فالناس لا تريد محاضرات طويلة ولا بيانات مليئة بالمصطلحات؛ الناس تريد أن تعرف:
ماذا يحدث؟
لماذا يحدث؟
من المستفيد؟
وما موقف الأردن؟
وما الذي يمكن أن يحدث إذا استمر الأمر؟
إن ترك الساحة الإعلامية فارغة لا يعني أن أحدًا سيتركها فارغة؛ بل سيأتي غيرك ليملأها بما يريد.
والأخطر من ذلك كله أن بعض اللقاءات والندوات والحوارات التي تتحدث عن الانتماء والولاء والهوية الوطنية قد تزيد الحيرة إذا كانت رسائلها غير واضحة، أو إذا شعر المواطن أن هناك كلامًا كثيرًا ولا توجد إجابات عن الأسئلة التي تؤرق حياته.
فالانتماء لا يُطلب من المواطن بالكلمات وحدها.
الانتماء يُبنى بالعدل.
ويكبر بالكرامة.
ويقوى عندما يشعر الفقير أن حقه محفوظ، والعاطل أن فرصته لا تذهب لغيره بالواسطة، والشاب أن مستقبله ليس مرهونًا بمعرفة شخص نافذ، وأن القانون لا يعرف غنيًا وفقيرًا، ولا قريبًا وبعيدًا.
ولهذا فإن معالجة الفقر والبطالة والمخدرات والواسطة والمحسوبية ليست قضايا اقتصادية واجتماعية فقط، وإنما هي أيضًا جزء من منظومة الأمن الوطني والوعي الوطني.
فكيف نطلب من شاب أن يثق بالمؤسسات إذا كان يرى أمامه من يحصل على الفرصة لأنه ابن فلان، بينما هو يحمل الشهادة وينتظر سنوات؟
وكيف نطلب من مواطن أن يقاوم الشائعة إذا كان يشعر أن أحدًا لا يشرح له الحقيقة؟
وكيف نريد من المثقف أن يكون ثابتًا في موقفه إذا كان لا يجد إجابات واضحة عن الأسئلة التي تدور في رأسه؟
إننا لا نحتاج إلى تخوين المثقفين، ولا إلى تقسيم الأردنيين إلى وطني وغير وطني كلما اختلف أحدنا مع الآخر.
بل نحتاج إلى مناقشة هادئة وشجاعة.
نحتاج إلى أن نسمح بالسؤال، وأن نجيب عنه.
وأن نعترف بالخطأ عندما يقع.
وأن نوضح للمواطن ما لا يعرفه.
وأن نواجه الفساد والواسطة والمحسوبية لا بالشعارات، وإنما بالإجراءات.
فالوطن لا يحميه الخوف من الكلام، وإنما يحميه الوعي والثقة والعدالة.
لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة، يستطيع فيها شخص مجهول أن يؤثر في آلاف الناس خلال ساعات.
وقد يبدأ الأمر بمنشور صغير، ثم تتناقله الصفحات، ثم يتحول إلى حديث في المجالس، ثم يصبح عند البعض حقيقة لا تحتاج إلى دليل.
وهكذا تصنع الرمادية طريقها إلى المجتمع.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست مع «السوشال ميديا» نفسها، فهي وسيلة يمكن أن تكون نافعة أو ضارة، وإنما المعركة مع الفراغ الذي نتركه فيها.
إذا لم نقدم الرواية الأردنية الواضحة، سيقدمها غيرنا.
وإذا لم نشرح الحقيقة، سيشرحها غيرنا.
وإذا لم نتحدث مع الشباب بلغتهم، فسوف يبحثون عن من يتحدث إليهم.
وهنا أقول لأصحاب القرار:
لا تتركوا المواطن وحيدًا في مواجهة سيل المعلومات.
ولا تجعلوا الغموض مصدرًا للشائعات.
ولا تتركوا المثقف الأردني حائرًا بين ما يسمعه من هنا وما يقرأه من هناك.
قولوا للناس الحقيقة، حتى لو كانت صعبة.
فالحقيقة الصعبة أرحم من الشائعة الجميلة.
والوضوح، مهما كان مؤلمًا، أفضل من الرمادية.
إن الأردن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الصراخ، بل يحتاج إلى خطاب وطني واضح، وإعلام مهني، ومعلومة سريعة، ومؤسسات تتحدث مع الناس، وعدالة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وعندها فقط نستطيع أن ننتقل من مرحلة الخوف من الرمادية إلى مرحلة اليقين.
فالولاء الحقيقي ليس أن يصفق الإنسان لكل شيء، وليس أن يسكت عن الخطأ، وإنما أن يحب وطنه، وينصحه، ويدافع عنه، ويختلف من أجله لا عليه.
أما الرمادية…
فما أدراك ما الرمادية؟
إنها ليست لونًا بين الأبيض والأسود فحسب؛ إنها حالة يصبح فيها الإنسان لا يعرف الحقيقة من الوهم، ولا الصديق من الخصم، ولا النقد من الهدم.
وحين تصل الرمادية إلى عقول الناس، يصبح الوطن بحاجة إلى نور الحقيقة.
ونور الحقيقة لا يأتي بالتخوين، ولا بالتخويف، ولا بالصمت.
إنما يأتي بالوضوح، والعدل، والمعلومة، والصدق.
فاحذروا الرمادية قبل أن تصبح لونًا ثابتًا في عقولنا وقلوبنا.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا