فادي السمردلي يكتب: من القبة إلى المواطن | قالوا.. فماذا فعلوا؟
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
في موسم الانتخابات، تكون الكلمات كثيرة، والوعود أكثر مرشح يتعهد، وآخر يعد، وثالث يقول إنه سيكون صوت الناس تحت القبة فتُقال العبارات بثقة، وتُرفع سقوف التوقعات، ويمنح المواطن صوته على أمل أن تتحول الكلمات إلى أفعال.
لكن الانتخابات تنتهي، وتبدأ الدورة النيابية، ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يسقط بالتقادم قالوا.. فماذا فعلوا؟
هذا ليس سؤالاً للانتقام من نائب، ولا محاولة لتصيد الأخطاء، وإنما هو جوهر المساءلة الديمقراطية فمن يطلب ثقة الناس عليه أن يقبل أن تُراجع مواقفه، وأن تُقاس وعوده، وأن يُسأل عما أنجزه خلال الفترة التي مُنح فيها التفويض.
المشكلة ليست في أن النائب لا يستطيع تحقيق كل ما وعد به؛ فالنائب، كما أوضحنا في الحلقة الأولى، ليس وزيراً ولا يملك السلطة التنفيذية ولكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوعود إلى كلام انتخابي بلا سقف واقعي، ثم تختفي بمجرد الوصول إلى مجلس النواب.
النائب لا يستطيع أن يعد المواطن بتعيين مباشر، أو تنفيذ مشروع حكومي بقرار شخصي، أو تغيير سياسة تنفيذية بمفرده. لكنه يستطيع أن يشرّع، ويراقب، ويسأل، ويقترح، ويضغط باتجاه معالجة الملفات العامة، ويتابع القضايا التي تمس ناخبيه والمجتمع بأسره.
وهنا يصبح القياس أكثر عدلاً فلا نسأل النائب هل حققت كل ما وعدت به؟ بل نسأله: ماذا فعلت ضمن صلاحياتك لتحقيق ما وعدت به؟
إذا وعد بتحسين ملف معين، هل أثاره تحت القبة؟ هل قدم مقترحاً؟ هل وجه سؤالاً؟ هل تابع الإجابة؟ هل ناقش القضية داخل لجنته؟ هل ساهم في تعديل تشريع مرتبط بها؟ وهل بقي على موقفه عندما أصبح القرار بحاجة إلى تصويت؟
هذه هي المسافة بين الوعد والممارسة فالسياسة لا تُقاس بالنوايا، وإنما بالأفعال والمواقف والنتائج والنائب الذي وعد بالدفاع عن قطاع معين لا يكفيه أن يتحدث عنه أمام الكاميرات فالمطلوب أن نعرف ماذا فعل عندما وصل القانون الذي يمس هذا القطاع إلى المجلس والنائب الذي وعد بمحاربة مشكلة عامة لا يكفي أن يعيد طرحها في تصريح
السؤال ما الأداة التي استخدمها لمعالجتها؟
والأهم من ذلك كله هل حافظ على موقفه عندما أصبح الموقف مكلفاً؟ لأن الاختبار الحقيقي للنائب ليس عندما يكون التصفيق مضموناً، وإنما عندما يضطر إلى اتخاذ موقف واضح في قضية خلافية، أو التصويت على قانون لا يحظى بشعبية، أو مواجهة قرار يرى أنه لا يحقق المصلحة العامة.
هنا تظهر قيمة النائب وليس المطلوب أن يتفق المواطن مع كل موقف يتخذه نائبه فالاختلاف جزء من العمل البرلماني ولكن المواطن من حقه أن يعرف لماذا اتخذ النائب موقفه، وكيف صوّت، وما المبررات التي استند إليها.
فالشفافية لا تعني أن يكون النائب دائماً على حق.تعني أن يكون واضحاً في موقفه ومسؤولاً عنه ومن الخطأ أيضاً أن نحاسب النائب على كل مشكلة في الدائرة الانتخابية، وكأن دوره مكتب خدمات أو مؤسسة تنفيذية فالطريق الذي لم يُعبد، والوظيفة التي لم تُمنح، والمشروع الذي لم يُنفذ، ليست جميعها مسؤولية النائب المباشرة ولكن مسؤوليته تبدأ عندما يستخدم أدواته البرلمانية في متابعة القضايا العامة، ويمارس دوره الرقابي والتشريعي، ويضع المشكلات أمام الجهات صاحبة الاختصاص.
وهنا يصبح السؤال أكثر دقة هل استخدم النائب صلاحياته إلى أقصى حد؟
كم سؤالاً طرح؟ وكم ملفاً تابع؟ ما القوانين التي شارك في مناقشتها؟ ما التعديلات التي اقترحها؟ كيف صوّت في القضايا الكبرى؟ ما الملفات التي تبناها؟ وماذا حدث بعد أن تحدث عنها؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تكون في صلب تقييم الأداء النيابي.
فعدد التصريحات لا يعني بالضرورة قوة الأداء، وكثرة الظهور الإعلامي لا تعني بالضرورة كثرة الإنجاز فقد يتحدث نائب قليلاً لكنه يترك أثراً حقيقياً في تشريع أو رقابة أو موقف، وقد يملأ نائب آخر الفضاء بالتصريحات دون أن نجد وراءها نتيجة واحدة.
لذلك، فإن المواطن بحاجة إلى الانتقال من تقييم النائب بالصورة إلى تقييمه بالسجل
سجل واضح يقول هذه وعوده، وهذه صلاحياته، وهذه مواقفه، وهذه مشاركاته، وهذه القوانين التي ناقشها، وهذه القضايا التي تابعها، وهذه النتائج التي تحققت وعندها فقط يصبح الحكم أكثر عدلاً.
قد ينجح النائب في تحقيق جزء من وعوده، وقد يفشل في بعضها، وقد تتغير الظروف التي جعلت تنفيذ وعد ما غير ممكن وهذا أمر طبيعي في السياسة لكن ما لا ينبغي أن يكون طبيعياً هو أن تختفي الوعود دون تفسير، أو أن ينقطع التواصل مع المواطن بمجرد انتهاء الانتخابات.
الثقة التي يمنحها الناخب لا تنتهي يوم إعلان النتائج أنها تبدأ هناك ولهذا فإن المساءلة ليست موسماً انتخابياً، ولا حملة على شخص أو مجلس إنها علاقة مستمرة بين المواطن ومن يمثله. المواطن يسأل، والنائب يوضح، والنتيجة تُترك للوقائع.
وفي «من القبة إلى المواطن»، لن نبحث عن النائب الذي قال أكثر، بل عن النائب الذي فعل أكثر ضمن صلاحياته.
لن نسأل فقط ماذا وعد
سنبحث عن ماذا قدم، وماذا تابع، وكيف صوّت، وما الذي تغير.
لأن الكلمات سهلة، والوعود أسهل أما العمل، فيحتاج إلى موقف، ووقت، ومتابعة، ومسؤولية.
قالوا.. فماذا فعلوا؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً حتى نهاية الدورة النيابية.
الكاتب من الأردن