المعاني والدلالات السياسية لانتخابات الكنيست الإسرائيلي أل 26 ، وانعكاساتها البنيوية

* د. طلال عودة  .. …

 

باحث متخصص في استراتيجية الأمن القومي والجيوبوليتك في الشرق الأوسط. من فلسطين.
تحظى انتخابات الكنيست الإسرائيلي المتعاقبة باهتمام المجتمع الإسرائيلي بشكل لافت ، وبتغطية إعلامية وتحليلات المراقبين والأكاديميين والسياسيين بشكل كبير. ويتعاظم هذا الاهتمام بها وبشكل خاص، حين تجرى في ظروف غير عادية تركت تداعيات وانعكاسات على كيانية ومكانة الدولة الإسرائيلية والاعتبارات المجتمعية.
تتأثر الانتخابات العامة في إسرائيل بنظام حزبي يمتاز بالتعددية وكثرة الانشقاقات والاندماجات وانبثاق التكتلات لاعتبارات أيديولوجية أو مواقف سياسية أو مصالح نفوذية ومالية. وللاعتبارات المجتمعية أثرها البالغ في الانتخابات، إذ ينظر المجتمع الإسرائيلي للانتخابات كقيمة ثقافية سياسية وقومية ، وعاملا حاكما للمراجعة والتقييم ومحفزا للتغيير والعبور من مرحلة لأخرى.
يرى هذا المقال، أن انتخابات الكنيست لعام 2026 تكتسب خصوصية تنفرد فيها عن سابقاتها ،وسيحاول بيان وتوضيح هذه الخصوصية من خلال تشخيص وتحليل المعاني والدلالات السياسية لهذه الانتخابات ، وانعكاساتها البنيوية على ماهية ونظرية بناء الدولة الإسرائيلية . تصور تحليلي دون النظر في أن تجرى في موعدها المحدد أو أن يتم تأجيلها، أو من يفوز فيها ويشكل الحكومة القادمة.
أولا : المعاني والدلالات السياسية لانتخابات الكنيست2026:
– موعد إجراء الانتخابات: تجرى هذه الانتخابات في موعدها المحدد قانونا في27.10.2026 بعد استكمال الحكومة لدورة برلمانية كاملة ، وهذا لم يحدث أن تكمل الكنيست ولايتها القانونية منذ 38 عاما ( انتخابات الكنيست 1988). وستجرى بعد نحو 100 يوم من تصويت الكنيست على حل نفسه في 17.7.2026 بعد انتهاء الدورة الصيفية . وبذلك، تكون الحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال حتى تسليم مقاليد الحكم للحكومة القادمة.
* توقيت إجراء الانتخابات : تأتي هذه الانتخابات ، عقب وأثناء ثلاث سنوات من حروب شنتها حكومة يمينية متطرفة ، حرب إبادة جماعية في غزة ، وبعيد حرب مع إيران وحلفائها حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. كما تتزامن مع توتر في العلاقات مع كل من مصر وتركيا والولايات المتحدة ، وارتفاع وتيرة ومستوى الاحتجاجات في المجتمعات والجامعات الغربية ضد حرب الإبادة في غزة وممارسات الاحتلال في الضفة الغربية ، وانخفاض مستوى التأييد لإسرائيل.
* تطورات البيئة الداخلية الإسرائيلية: شهدت البيئة الداخلية الإسرائيلية أزمات جوهرية بعد زلزال الانقلاب القضائي في يناير2023 ، وما رافقه من سن تشريعات تمنح السلطة التنفيذية بقيادة نتنياهو سلطة أكبر على الجهاز القضائي وتضعف محكمة العدل العليا .هذا ، إضافة لتداعيات إخفاقات 7 أكتوبر ، والحرب مع إيران ، وآثارها على مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي.
* التحولات في المجتمع الإسرائيلي: كان لتطورات البيئة الداخلية السابقة الذكر، آثارها في إحداث تحولات على المجتمع الإسرائيلي تجسدت في : تعزيز الفكر اليميني المتطرف اليمين ، وتصاعد تمثيله الحزبي والحكومي ، وإزاحة الوعي الجمعي الإسرائيلي نحو يمينية مصدرها الخوف. وللحقيقة ، كانت هذه التحولات واضحة المعالم قبل السابع من أكتوبر كما تمت الإشارة لها ، وتعززت بعد هذا التاريخ ، و/أو استثمرها ونماها اليمين المتطرف .
* حاجة ورغبة المجتمع الإسرائيلي للتغيير: كان لتطورات البيئة الداخلية الإسرائيلية والتحولات المجتمعية إسقاطاتها على قيم ومعاني هيبة وشخصية ومكانة إسرائيل، وبمعنى أكثر دقة على هوية وماهية الدولة الإسرائيلية. لذا، ليس من المبالغة القول: أن الانتخابات القادمة قد تكون الأكثر حساسية وخطورة من سابقاتها منذ العام 1948، فقد تنامت مطالبة ورغبة المجتمع الإسرائيلي في التغيير من منطلقات : مستقبل الدولة الإسرائيلية، ترميم مفهومها الأمني، حماية النظام الديمقراطي، واستعادة سمعتها ومكانتها العالمية.
ثانيا : الانعكاسات البنيوية لانتخابات الكنيست 2026:
للمعاني والدلالات السياسية السابق ذكرها انعكاساتها البنيوية على ماهية ونظرية بناء الدولة الإسرائيلية، والتي سيكون لها تأثير على ملامح الحقبة الزمنية القادمة. ويمكن تشخيص وتحليل الانعكاسات البنيوية للانتخابات القادمة في سيناريوهين محتملين لنتائج الانتخابات :
أ: فوز نتنياهو والائتلاف:
* سيؤدي فوزه إلى تعزيز مكانة اليمين المتطرف وارتفاع مساحته التمثيلية في الكنيست والحصول على حقائب وزارية سيادية، وبالتالي تقويض فرص مشاركة القوى السياسية الأخرى من الوسط واليسار والعرب في تشكيلة وهيكلية الحكومة ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية.
* وبالتالي، سيشكل ارتفاع مكانة اليمين المتطرف تحولا بنيويا استراتيجيا نحو : إعادة تعريف مفهوم وهوية الدولة، علاقة الدين بالدولة ، النظام الديمقراطي، التعليم الديني، تجنيد للحريديم ، العلاقات المدنية العسكرية، الموازنات المالية العسكرية، موازنات الصحة والتعليم والرفاه الاجتماعي ، العلاقة مع المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني في أراضي 48.
* سيدفع التوجه نحو خلق أوضاع راهنة جديدة ، من شأنها فرض السلام بالقوة وتسريع قطار التطبيع في المنطقة، وذلك من خلال:
* تسريع وتيرة استكمال المشروع الاستعماري الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس، وما يترتب على ذلك من مصفوفات التحكم والسيطرة على الأرض والإنسان.
* فرض مزيدا من القيود السياسية والمالية والأمنية والعسكرية في الضفة الغربية وغزة ، وبالتالي تعطيل وتقويض أي تحرك سياسي من شأنه التوصل لحلول سياسية بناءة مع السلطة الوطنية الفلسطينية.
* تزايد فرص شن إسرائيل مزيدا من الحروب والحملات العسكرية في محاولة لبسط النفوذ الإقليمي، ومحاولة ترميم صورتها ومكانتها العالمية كلاعب أساس في المشهد.
* تعظيم صورة التهديد الإيراني والتركي والمصري .
ب: فوز آيزنكوت والمعارضة :
نظرا لما شهدته الساحة الإسرائيلية خلال أربع سنوات من ولاية حكومة نتنياهو، يعتبر فوز المعارضة حدثا تاريخيا وتحولا له انعكاساته البنيوية والمؤسسية :
* خسارة نتنياهو، لا تمثل فقط خسارة شخصية وانتهاء مستقبله السياسي واحتمالية مثوله أمام القضاء، لا بل تشكل زلزالا سياسيا لحزب الليكود، مما قد يؤدي لانشقاق شخصيات قيادية وتشكيلها أحزاب أو انضمامها لأحزاب أخرى.
* سيشكل تراجع الليكود انكسارا مفاهيميا وفكريا وخلخلة سياسية ومجتمعية لمعسكر اليمين واليمين المتطرف ورؤاه ومشاريعه ومخططاته المعلنة وغير المعلنة.
* غياب اليمين المتطرف عن تشكيلة وهيكلية الحكومة ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية ، سيدفع إلى انخفاض تأثيره الجماهيري تدريجيا.
* فوز المعارضة بقيادة آيزنكوت وتشكيلها الحكومة واتساع مساحتها التمثيلية في الكنيست وإشغالها حقائب سيادية ، من شأنه التخفيف من وقع إعادة رسم ملامح المجتمع الإسرائيلي التي صيغت خلال الثلاث سنوات السابقة ، وتخفيض مستوى ميوله نحو اليمينية .
* حكومة جديدة بلا يمين متطرف، يسهم في تعزيز مكانة الوسط واليسار، وقد ينحاز لهم جزء من المترددين انتخابيا، بما قد ينعكس في رفع صوت الاعتدال التدريجي في المجتمع الإسرائيلي .
* فوز المعارضة وتشكيلها الحكومة يفرض عليها التزامات تجاه الجمهور، مما يعزز سعيها لصناعة تجديد في الأداء المؤسسي ومزيدا من الحوكمة والرقابة.
* وبقراءة متأنية وفاحصة للمنظور الاستراتيجي لغادي آيزنكوت ، يشكل فوزه وتشكيله الحكومة تحولا وعوامل دافعة جديدة لها انعكاساتها البنيوية حسب تصريحاته ” لإنقاذ الدولة والحفاظ على أمنها القومي”. مفهوم يحمل معان كثيرة أهمها ، أن الدولة دخلت في معضلة استراتيجية حان الخروج منها للحفاظ على وجودها وبقائها.
يخلص المقال إلى أن الساحة الحزبية الإسرائيلية تشهد سباقا محتدما نحو الفوز بالانتخابات والحصول على مكان في تشكيل الحكومة . ولعوامل إسرائيلية داخلية وعوامل خارجية ، سيكون لهذه الانتخابات خصوصيتها ومعانيها ودلالاتها السياسية التي سيكون لها ارتدادات وانعكاسات بنيوية سواء فاز نتنياهو أو فاز آيزنكوت . انعكاسات تطال النظام السياسي والقيم الاجتماعية ، وعلاقة الدولة بالمجتمع ، والدين بالدولة ، والعلاقات العامة والدولية ، وكيفية التعامل مع التهديدات والتحديات ، ومنظور الصراع مع الفلسطينيين وفي المنطقة بشكل عام. الآن، نحو شهرين على إجراء الانتخابات العامة في إسرائيل ، تحمل الأيام القادمة الكثير من التطورات سواء في الساحة الإسرائيلية أو الإقليمية والعالمية ، فترة زمنية كافية لحدوث تطورات تجعل التساؤل حول هل ستجرى الانتخابات تساؤلا معقولا.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا