وزارة التحول الرقمي… والسكيتش الإباحي
بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي ……………….
ما إن تفتح هاتفك لتشاهد خبراً، أو مقطعاً طبياً، أو فيديو من أفراح الناس وأتراحهم، أو شيئاً من تلك المقاطع التي يسمونها «ريلز»، حتى تفاجأ بما لم تطلبه، ولم تبحث عنه، ولم تكن تتوقع أن تراه.
يبدأ المشهد بطبيب يتحدث عن آلام الظهر والمفاصل، أو عن علاج للشعر والجلد، فتطمئن إلى أن الأمر طبي ومفيد، ثم لا تلبث أن تفاجأ بانقلاب المشهد إلى إعلان عن مقوٍّ جنسي، يتبعه سكيتش إباحي أو لقطات وإيحاءات جنسية فاضحة، تخالف الدين والأخلاق والحياء، وقد لا يكون من المناسب أن تراها عين طفل أو فتاة أو أسرة بأكملها.
وهنا أسأل:
هل أصبح من حق الإعلان أن يدخل بيوتنا دون استئذان؟
وهل أصبح الهاتف الذي في يد أبنائنا وبناتنا بوابة مفتوحة لكل من أراد أن يبيع دواءه أو يروّج تجارته، ولو كان الثمن أن يعرض أمامهم مشاهد تخدش الحياء؟
إن القضية ليست قضية إعلان عابر.
إنها قضية سكيتش إباحي قد يظهر في ثوانٍ معدودة أمام طفل لا يعرف كيف يتعامل معه، ولا لماذا ظهر أمامه، ولا من الذي سمح له بالوصول إلى شاشته.
والأغرب أن بعض هذه الإعلانات تتخفى وراء صفة «الطبيب»، فتبدأ بكلام علمي عن المرض والعلاج، ثم تنتهي بمحتوى لا يمت إلى الطب بصلة، وكأن كلمة «طبيب» أصبحت حصانة للإعلان، وكأن وجود المعطف الأبيض يكفي لتبرير كل ما يظهر على الشاشة!
يا وزارة التحول الرقمي، ويا الجهات الرقابية المختصة…
نحن لا نطلب إغلاق الإنترنت، ولا نحارب التكنولوجيا، ولا نريد أن نعيش خارج هذا العصر.
نحن نريد فقط أن يكون التحول الرقمي تحولاً يحمي المجتمع، لا تحولاً يسمح للمحتوى الإباحي أن يتحول إلى ضيف ثقيل على موائد أسرنا.
إن الدولة تستطيع أن تحجب المواقع المخالفة، ولكن السؤال الأهم:
ماذا عن السكيتش الإباحي الذي يأتيك داخل إعلان، وبين فيديو وفيديو، وأنت لا تبحث عنه أصلاً؟
من يراقب هذه الإعلانات؟
ومن يحاسب المعلن؟
ومن يحاسب المنصة التي سمحت بظهورها؟
ومن يحمي الطفل الذي قد يرى هذه المشاهد قبل أن يعرف حتى معنى ما يشاهد؟
أيها الآباء والأمهات…
لا تستهينوا بالأمر.
فالمشهد الذي تراه العين في ثوانٍ قد يبقى في الذاكرة سنوات، وما يبدأ بإعلان صغير قد ينتهي بفضول، ثم بحث، ثم اعتياد، ثم إدمان.
وأيها المسؤولون…
إن حماية أبنائنا ليست ترفاً، وليست قضية ثانوية تؤجل إلى الغد.
إنها حماية لعقول وقلوب جيل كامل.
فلا نريد أن تصبح هواتف أبنائنا مدارس مجانية يتعلمون فيها ما عجزت الأسرة عن حمايتهم منه.
نريد رقابة حقيقية على الإعلانات، وتشديداً على المنصات، ومحاسبة لكل من يستخدم الإعلان الطبي غطاءً لترويج المحتوى الجنسي الفاضح.
اتقوا الله في أولادنا وبناتنا.
فإذا كنا نغلق أبواب بيوتنا في وجه الفساد، فلا تجعلوا شاشات هواتفنا أبواباً خلفية يدخل منها.
فالسكيتش الإباحي الذي يظهر اليوم على شاشة صغيرة، قد يترك أثراً كبيراً في عقل طفل صغير.
وهذه ليست حرباً على التكنولوجيا…
بل حربٌ من أجل أن تبقى التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا أن يصبح الإنسان أسيراً لها.
الكاتب من الأردن