زين عالول: ماذا اكتب

زين عالول
الكتابة فن راقي من فنون الأدب يأخذك لمسافة ما،لمكان ما،لزمن ما.. تكتب، لنفسك قبل الغير.. تنفس عن ما يدور في فلكك..قد تكون في مزاج سيئ فتكتب ما يجول بخاطرك ليزول ضيقك وحزنك.. حتى يتلاشى إحساسك ويفك ضغطك وإنفعالك.. وبعد وقت تتساءل، أأنا من كتب هذا؟ وقد تكون في مزاج لذيذ يطيرك فوق الجبال والشواهق فتبدع اكثر في ما كتبت..أو لا هذا ولا ذاك قد يخالجك المزاج السيئ.. ويفتر عنك الوحي.. ويقل فيك الحماس..
وينضب لديك المعين.. فيحاربك الحرف..وترفسك المعلومة..وتشيح الكلمة، بوجهها عنك حتى تلبسها من جديد ثوب العافية..
إنها الكتابة لمن ينفخ في جازها ويصارع في حلبتها, هي الأنيس والعشق والرفيق…هي الخلاص من الشعوربالضيق.
هي إلهام من الله وساعة صمت وصفاء, وتجلي تصفوا فيها النفس، وتضيئ،بهاالبصيرة، كشعلة ملتهبة, يتدفق الكلام، وتنور وتبدع المعاني..تحتار ماذا تأخذ وماذا تذر! لغزارة الكلام واسترسال الكلمات..ولكن، راحة البال وطمأنينة النفس هي قانون التجلي لاسترسال تلك الألفاظ…وأحياناً ذات المناخ وذات المكان، ولكن يكون العقل كالصحراء الشاسعة.. الواسعة.. الجرداء لا نبت فيها.. جداء ولا ماء.. وكذلك العقل لا كلام ولا معنى لألفاظ، يستنبط ويشحذ من الصخر..، ليبحث عن الكلمة ليرتوي..
ولا يجد إلا دوائر سراب وخواء.. وحروف عجمية تظهر وتختفي كالسراب..
إن خاطرة ما تكتبها تخفف عنك الإحساس بالوحدة وتحافظ على التوازن النفسي لأنها كالدلو والبئر،تعطيك مكان آمن لتفريغ المشاعر ..أي كأنك في زنزانة المكان تأتي الكتابة لتحررك من سجن واقع أليم..تأتي كالمنقذ تطلق العنان لخيالك لتسبح من جديد..في ثنايا أفكارك..لإعادة اختراع واقع جديد من اختراعك.. من تصميمك..من نموذجك.من أسلوبك…يصل بك لممر وشط أمان.
يقول مارك توين [ الكتابة لمن يريدون التواجد في مكان آخر]. ما يحز بالنفس في زمننا هذا،هو افتقار الجيل الطالع للصبر..للفكر الخلاق..وللخيال..لقلة القراءة والمطالعات.. إن لم يكن انعدامها وهذا ما يقلص ويضعف ويحد من إثراء أدبنا المعاصر ورواياته ولغاته…لاعتمادهم على وسائل الألكترونيات..
في الماضي أعتقد أن الكاتب كان يحتار في انتقاء مواضيعه لأبطال رواياته،لقيود اجتماعية وتقنية، لكن في زمننا هذا أصبح الكاتب يستشعر الكلام من أقرب مجالاته وأشياؤه..يسمو بروحه لينطلق خياله..فالعالم أمامه بكبسة زر هناك مئات المقالات.. وألوف الموضوعات..وملايين المراجع والأدبيات، كل ما يحتاجه هو الذوق الرفيع والعين النافذة المتفرسة الخلاقة أي باختصار راداراً أدبياًخارقاً.. قادراً على استنباط واستشعار حلو الكلام..
أحببت قول للأديب والكاتب التركي [ أورهان باموك ] عندما سئل: لماذا تكتب؟ “أكتب لأن تلك رغبتي، أكتب لأنني لا أقدر على القيام بشيء آخر غير الكتابة، أكتب كي أشير أو أناقش بعض الآراء التي وردت في كتبي، أكتب لأنني غاضب منكم جميعا، من العالم كله. أكتب لأنه يروق لي أن أنزوي في غرفتي اليوم كله. أكتب لأنني لا أستطيع تحمل الحقيقة إلا وأنا أغيّرها، أكتب حتى يعرف العالم أجمع أي حياة عشنا، وأي حياة نعيش، أكتب لأنني أحب رائحة الورق والحبر، أكتب لأنني أؤمن فوق ما أؤمن به، بالآداب وبفن الرواية ومن ثم بالصحافة، أكتب لأن الكتابة عادة وشغف”.
حقاً إن الكتابة تثلج الصدر وتفرج عن الكرب وتقوي النفس وتغني الفكر..وتحفظ الذاكرة من الهمش كما أنها تملأ الوقت بالمفيد.. وتشترط كثر القراءة وإلمام بالثقافة ولكنها أيضاً، هي مرآة للأحداث، تخاطب كل صنوف المجتمع،هي مسؤولة: أدبيةوتاريخية..دينية وأخلاقية..وازع ضمير وعاتق كلام..وصدق حس وجمالي.. ويقظة حواس وحدس، وإدراك..
إنها وقفة للزمن…تأمل للحاضر، وترتيب جديد للماضي، لمخرجات داتا جديدة،لأحصل على مفاتيح جديدة اولج بها كل الأبواب لاصل إلى سعة لصالونات المعرفة.. وقاعات المعلومات، المستقبلية.
فقد أستقل يوماً قطارالإبداع..!
إن تشكيل التقدم وإثراء المجتمع لا تأتي فقط من الذكريات المرتبطة بالمعارف والتجارب السابقة .. ولكن من المسؤولية تجاه المستقبل أيضاً، فماضينا يُلهم مستقبلنا…ولكن…لابد للكاتب أولا من تأبط ضميراً حياً وأخلاقاً قويمة،رشيدة فالكلمة أمانة و أوسمة شرف.. تعلق على صدور الأدباء وغلاف الكتاب..ومنهجية الأسلوب، هي الميدالية الذهبية او الفضية او البرنزية او لا شيئ من كل ذلك..
لابد أن تكون الكتابة في العلم والأدب وحتى الدين لتطويرأجيال أخلاقية كريمة، سليمة بلا عقد أو مغلوطات ورسم لغلافات وأطر مسموحة وليس كلمات بذيئة.. والتعمق في معلومات موثوقة وحقائق مستقبليةتنفع وتصلح بها قارئيها وتزيد من مخزون ثقافتهم، فأنا أكتب لأثري وأضيف…
وأقرأ لأفيد وأستفيد…
وليس لشعارات وأحزاب.
وحب ظهور..وقناع بلا قناعات..
وليس لرياء.. وتجارة..وتملك فلوس وإثراء..
أتمنى ان اكون زائدة في ثقافة الأمة لا زائدة عليها…
وبعد..لم أعرف ماذا أكتب؟ وعن ماذا اكتب؟ فمن أهم شروط التجلي للغوص في الكتابة، ومقوماتها هو استكانة وطمانينة في النفس وراحة في البال.. وأين تلك؟…
نحن في زمن الإنحطاط الأخلاقي والفكري والطائفي..
نحن بزمن نقتات مصائب الدهر على مائدة الكبار..ومصير أجيالنا مربوط بسياسات..ومزاجات.. وانقسامات..وأجندات..
نحن بزمن نتلوع شوقاً لراحة بال.. وبحاجة لقوة خفية تصلح الحال من المحتال.. وأسوار وأبواب حدائقنا مشرعة لكل غريب يلوح بعصى الفوضى والإزعاج، والإرهاب…فأين الراحة والامن والإطمئنان…لأكتب ما يدور في البال..

قد يعجبك ايضا