سحرُ النَّصِ يكشفُ فتنةَ البِلاد.. انطباعات كاتب فلسطيني هاجر إلى الولايات المتحدة
باريس- كتب الطيب ولد العروسي
تستعيد رحلات الكُتاب العرب إلى الغرب، مقولة الروائي السوداني المرحوم الطيب صالح: ” نحن شرق يبحث عن غرب”. شرق يجتاحه انبهار المشاهدة، ويعجب بأخلاق الناس، وتطور بلادهم قولا وعملا، وطقوس الانتخابات واحترام حرية المواطن. شرق ينبهر بحداثة بلادهم في الهندسة المعمارية، وتعبيد الطرق، والحرية والديمقراطية، حتى أنّا نكاد ننسى التّناقضات الغربية الصارخة التي تعيشها طبقاته الاجتماعية، ومعاملتهم للأجانب وتاريخهم العريض في الهيمنة الكولونيالية.
بيد أن الكاتب والإعلامي الفلسطيني بسّام الكعبي، في نص كتابه “الولايات المتحدة: توازن النقائض وفتنة الوهم: انطباعات رحلة شخصية” (اصدار شبكة أمين الإعلامية. البيرة) يخالف ما أفدناه في السّطور السّابقة، حين يعرض إلى أوهام المهاجرين العرب وامالهم.
فبقدر ما انبهر كسابقيهِ بالتقدّم العلمي والتكنولوجي الحقيقي، إلا أنه ومنذ الصفحة الثانية من كتابه، ينقل فاجعة ما يعيشُهُ العربي هناك. وهو يبدأ من “العشرين فاتورة “التي يجب على كل ساكن دفعها شهريا، مرورا بالحيل التجارية المستعملة في الأسواق الكبيرة، والمبنية على “تحفيز″ الزبون لشراء أكثر مما يحتاج “عالم الاستهلاك الجنوني بكل معنى الكلمة”. فيخلُص الكاتب إلى القول بأن النظام الرّأسمالي “يُبدع″ أشكالا جديدة في “فن” التّسويق الذي يُغرق الزبائن بشكل غير مباشر من أجل تعبئة سلالهم بالبضاعة”.
هو يتطرق أيضا، إلى صعوبة حياة أولئك الذين يعملون ساعات طويلة، كي يكسبوا الحدّ الأدنى من لقمة العيش لأسرهم، رحلة حقيقية قام بها الإعلامي والكاتب الفلسطيني بسام الكعبي لزيارة الأهل والأقارب، فأطلّ على مكنونات المجتمع الأمريكي، اختلطت خلالها سيرته الشخصية بوقائع اليوميات الأميركية، مضيفا لذلك، براعة النص في توظيف صيغة “الفلاش باك” والعودة إلى ماضيه وطفولته، وأيام الدراسة في جامعة بغداد وتجربته المهنية حيث عمل صحفيا في القدس لخمس سنوات، عاش خلالها بداية تجربته الإعلامية حتّى تدرج رويدا رويدا فيها.
في كتابه تناول بسّام الكعبي الماضي من خلل خبرته المهنية على واقع الحاضر الذي راقبه في وضع صحافة المهاجرين العرب المنتشرة في شيكاغو، المفتقرة لأبسط القواعد المهنية، استنتج في أعقابها بأنها صحف دعائية لا أكثر ولا أقل: وممّا ورد فس كتابه، “وفي لقاء تعارف بمنزل الصحفي المخضرم تيسير أوسمية، شقيق الإذاعي المعروف باسم، اعترف بسوء حال الصحافة العربية مؤكدا أنَّ همها الوحيد هو الإعلان التجاري فقط وينقصها الخبرات والتمويل”، لقد سلّط الضّوء على زوايا منسيّة في الحضور العربي، فهو رغم عراقة حضورهِ هناك وامتلاكهِ رأس المال، إلا أنَّهُ لم يتمكّن من تنظيم مشروع إعلاميٍّ، على نهج جريدة يمكنها أن تكون لسان واقعهِ، همومِهِ وهواجسِهِ، كي يتواصلَ مع الجهات المسؤولة في أمريكا. ظلّ ينقصهُ حضورا مسموعا فاعلا.
وضمن المهمّ فيما عرض إليه أنّه صوّر أعمار ومهن الشباب الذين التقى بهم وحاورهم، وضمن هذه الحلقة ركّز على أشكال انتمائهم الدّيني هم وأبناؤهم، وأهميّة تواصلهم مع المساجد، تواصل يحتاج لمن يشرف على مَنطِقِهِ ومنظومته منعا للإنحراف. وعليه يسلّط بسّام الكعبي الضّوء على عديد الممارسات الإسلاميّة في مسعى لإثارة الموضوع لدى الأقليّات الإٍسلاميّة في الغرب عموما. كما تطرق الكاتب إلى قضيّة المسافات الطّويلة، وآليّات التنقّل, وطبيعة العلاقات الإنسانيّة إذ لخّصها بالنّموذج التّالي:
“ثلاثة أفراد يشكلون ثلاثة أجيال من عائلة واحدة يعيش كل منهم منفردا وبعيدا عن الآخر؟ هذا هو النمط الاجتماعي السائد للحياة الأمريكية التي تعبد حرية الفرد واستقلاله، وتوفر هامشا للقاء أفراد الأسرة البالغين مرات قليلة وفي مناسبات محدودة” .
لا شك أن هذه الانهيارات تصطدم مع الواقع القاسي الّذي يعيشه الفرد العربي ضمن مصادر عيشه الماديّ والإجتماعي على حدّ سواء، كما أنّهُ لم يستثن الواقع السّياسي الأمريكي تجاه العرب والفلسطينيّين خصوصا.
لقد قدَّمَ الكاتب قراءة موضوعيّة في رحلته الى أمريكا، لم يقتصر فيها على مشاهداته فحسب، بل قدم وجهة نظرهِ الشّخصيّة واستقرائه للأحداث التي تهز العالم ولأمريكا باع طويل فيها.
رحلة الكتاب تنتهي بتوجّههِ مع أسرته إلى كندا، مسترسلا في تسجيل انطباعاته حول الرّأسماليّة والحداثة، ومفاهيمها في المجتمعات الغريبة الصّادمة. ومن المهمّ الإشارة لتكرار كلمة “انتظار،” التي تردّدت مرارا في كتاب الأستاذ بسام الكعبي، ولأكثر من 20 مرة، وخاصة لدى مغادرتهم رام الله إلى الأردن، والعودة من هذه الأخيرة إلى فلسطين، فهنالك، على المسافر أن يتسلَّحَ بالانتظار والصبر، ويريد أمل الفلسطيني في انتظار حدث يغير المعادلة ويقرر المصير، ليصبح حراً في بلادهِ، يخرج ويعود إليه متى شاء دون حواجز وقهر.
لقد استعمل الكاتب كلمة انتظار في عدة أفعال: انتظر، انتظرنا، منتظر، الانتظار، ننتظر، تنتظر، وهي تصف حالة الأسرة وهي تتأهب وتعود من السفر، فرغم ما شاهدوه من إمكانيات راقية، وما عاشوه، إلا أن العودة إلى رام الله كانت أحمد، وكأنها استراحة محاربين. في رامالله وجدوا الوطن الّذي افتقدوه في كلّ مكان وصلوا إليه. عادوا برغم الإغراءات الكثيرة الّتي انتظرتهم تنفيذا، على لسان المقولة الّتي تفيد: “الأفضل للمرء أن يكون في فضاء صغير وفي بيته، أفضل من أي فضاء آخر.”
هذه العودة من زيارة غير بسيطة بكافّة المفاهيم لم تُنسِ الكاتب قضيّته الأولى فلسطين، ظلّت حااضرة بقوّة يقيس وفق بعدها أو قربها مسافات الحضور والغياب. وهو يختصرها بهذه الكلمات:
“كانت رحلة رائعة كشفت مساحة ضيقة من اللغز الغامض للحياة الأمريكية على مستوياتها المختلفة: قاسية وسهلة في آن واحد، مريحة لمن يملك ما يكفي لتسديد الفواتير الشهرية الباهظة والمتعددة والتي تصل بانتظام عبر البريد.. يحسدوننا على بقائنا في البلاد ونحسدهم على غربتهم بعيدا عن الحصار الخانق الذي يهبط على صدورنا، والفوضى الداخلية التي تعصف بنا”.
كتابٌ يستحقّ أن نقف عند كاتبه وأفكاره، يمنحنا رؤيا جديدة عن واقع خارجنا. ورغم شخصانيّةِ هذه الأفكار، إلا أنّها تعالج ما يلحّ فينا على القول عن كلّ شيء. كنت بحاجة أن أفهم عمق أواصر القربى بين الفلسطيني ومكانهِ، ولو تحت حصارٍ وتضييق خناق، ووجدتها في هذا الكتاب، شكرا بسّام الكعبي..
