سناء الحافي: إدارة الغضب في الفشل العاطفي من أقصى الشهقةِ الأولى حتى الزفير الأخير!!
سناء الحافي
بما أن الإنسان كائن عاطفي، فإن الاستقرار العاطفي محرّك حياته، ومحفّزه للإبداع والإشراق، وأن انهيار حياته العاطفية، قد يخلق خللا لبعض الوقت بالنسبة اليه، فيشعر بأحاسيس متناقضة من الغضب إلى الحزن إلى اليأس والاحباط….
ولأن أي علاقة لا تتطور وتزهر وتثمر من تلقاء نفسها.. ولأن الحياة لا تخلو من نوبات الخذلان والصدمات… فما علينا سوى أن نتجاوزها بالقليل من الصبر وكثير من الحكمة وعدم الاستسلام للذين يعكرون صفو الحياة بمواقفهم التي في الأغلب يسودها التجريح والتشكيك…
فالغضب في حالات الفشل العاطفي ليس إلا انفعالا وسلوكا ذهنيا وفسيولوجيا ورد فعل على الاستفزاز… قد يدمي الجميل فينا… والغضب غير المتحكم فيه يمكنه أن يؤثر على الصلاح النفسي والاجتماعي، لذلك فما علينا سوى إدارته وترويض الانفعالات بالشكل الصحيح حتى لا نخسر جوهر المشاعر بداخلنا…
وعلى الإنسان أن يتخيل الحالة التي يكون عليها بعد سكون غضبه من ندم على ذلك، وكذلك أن يدرك أنّ الغضب لن يغيّر شيئًا أو يقدّمه بل إنّ الصبر وكظم الغيظ يصنع في نفوس النّاس العجائب ويشعر الإنسان بلذّة وقرب من الله تعالى بعفوه عن النّاس وبمقابلته السّيئة بالحسنة.
أستحضر الآن قصة عن أحد حكماء الهندوس الذي كان في زيارة لنهر «جانجز» للاستحمام، عندما رأى على ضفتيه مجموعة أفراد يتصارخون في غضب. التفت مبتسماً لتلامذته وتساءل «لماذا ترتفع أصوات الناس عند الغضب ؟».
فكر تلامذته برهة، ثم أجابه أحدهم «لأننا عندما نفقد هدوءنا، تعلو أصواتنا».
رد عليه الحكيم متساءلاً «ولكن لما عليك أن تصرخ في حين أن الشخص الآخر بجانبك تماماً؟ يمكنك أن تخبره ما تريد بطريقة أفضل».
أعطى بعض تلامذته إجابات أخرى، لكن أحداً منها لم يقنع أياً من الباقيين.
وأخيرا وضح الحكيم «عندما يغضب شخصان من بعضهما بعضا، يتباعد قلباهما كثيراً، وحتى يستطيعان تغطية كل تلك المسافة ليسمع كل منهما الآخر، عليهما أن يرفعا من صوتيهما. كلما تزايد غضبهما أكثر فأكثر، كلما أحتاجا إلى أن يرفعا صوتيهما أعلى فأعلى، ليغطيا تلك المسافة العظيمة.
ما الذي يحدث عندما يقع شخصان في الحب؟ هما لا يصرخان في وجه بعضهما بعضا، بل يتحدثان في رقة، ذلك لأن قلبيهما قريبان جدا من بعضهما، تلك المسافة بينهما صغيرة جداً أو حتى غير موجودة.
ثم تابع «عندما يحبان بعضهما بعضا أكثر، ما الذي يحدث؟ هم يتهامسان حينها، فلقد اقتربا أكثر وأكثر.
في النهاية، لن يكون هناك حاجة الى الحديث بينهما، فقط ينظران الى بعضهما بعضا، هذا كل شيء. هذا هو مقدار القرب الذي قد يصل إليه شخصان يحبان بعضهما بعضا».
نظر الحكيم الى تلامذته وقال «لذا عندما تختلفون على أمر ما، عندما تتناقشون أو تتجادلون، لا تدعوا لقلوبكم أن تتباعد، لا تتفوهوا بكلمات قد تبعدكم عن بعضكم بعضا أكثر، والا فإنه سيأتي ذلك اليوم الذي تتسع فيه تلك المسافة بينكم الى الدرجة التي لن تستطيعوا بعدها أن تجدوا طريقاً للعودة».
فالفشل العاطفي أقسى أنواع الفشل، فهو أخطر من الفشل الكلوي.. أو الفشل الدراسي، أو الفشل المهني، لأنه فشل الروح وانكسارها التي لن تعرف مكانها في الجسد بعد كلّ خيبة، حيث يخال للمرء أنه وحده المذنب..المجرم ويستحق أشد أنواع العقاب، فيجلد نفسه بنفسه وتساعده حتى نفسه بتموينه وإمداده بكل أدوات التعذيب اللازمة..
لذلك نجد أن المرأة عادة ما تأخد وقتاً طويلاً لنسيان علاقة عاطفيَّة أو زوجيَّة فاشلة، وقد تمتد هذه الفترة شهورا وسنين طوال، بينما الرجل يتماسك سريعاً ويواصل حياته بشكل طبيعي.
ولكن هذه الظاهرة أثارت اهتمام العلماء وكانت المحرِّك وراء دراسة أجريت لرصد الاختلافات بين الجنسين في التعامل مع فشل علاقة حبِّ.
فقد شملت الدِّراسة، التي أجريت في جامعة Binghamton الأمريكيَّة في نيويورك، 57055 أشخاص من 96 دولة قيموا درجة معاناتهم في علاقات عاطفيَّة سابقة بدرجات تبدأ من صفر وتنتهي بـ10.
وكان متوسط معاناة النساء بعد فشل العلاقات العاطفيَّة نحو 6,844 نقاط على هذا المقياس مقارنة بـ6,85 نقاط للرجال.
أما الألم الجسدي الذي عانت منه النساء بعد فشل العلاقة فكان 4,21 درجات في المتوسط مقابل 3,75 نقاط للرجال.
ورصدت الدِّراسة أيضاً اختلافات في المشاعر التي تعتري المرأة والرجل بعد فشل العلاقة، فمشاعر الغضب والقلق والخوف هي التي كانت سائدة بين النساء، في حين يسيطر الإحساس بالضياع على الرجل بعد فشله في الحبِّ.
ويوضح مشرف الدِّراسة كرياغ موريس، أنَّ السبب الأساسي في اختلاف رد فعل المرأة والرجل على فشل علاقة عاطفيَّة، هو الطبيعة البيولوجيَّة لكل منهما، فالمرأة تستثمر أكثر بكثير في العلاقة من الرجل، مشيراً إلى أنَّ طبيعة المرأة تجعلها انتقائيَّة في اختيار الرجل بشكل أكبر وبالتالي تكون صدمتها بعد انتهاء العلاقة أكبر.
وأشارت الدِّراسة إلى أنَّ المرحلة العمريَّة أيضاً تؤثر على تحمل ألم فشل العلاقات العاطفيَّة، إذ أظهرت أنَّ للرجل والمرأة على حدٍّ سواء القدرة على تحمل فشل ثلاث علاقات قبل الوصول الى سن الثلاثين، ويمكن أن يزيد الشخص نفسه في قدر ومدَّة المعاناة النفسيَّة والعاطفيَّة بعد فشل العلاقات، إذ إنَّ الاستسلام لألم ما بعد انتهاء العلاقة، يعيق الإنسان عن التفكير في طرق الخروج من هذه الأزمة.
ويرى الخبراء الجوانب المضيئة في ألم فقدان علاقة عاطفيَّة، إذ إنَّ التعرُّض لهذه المشاعر وتجاوزها هو الدافع للبدء في علاقة جديدة بأمل جديد.
حيث إن الغضب الناتج عن هذا النوع من الفشل يجعلك تفقد ثقتك بنفسك…تفقد ثقتك بجسدك.. بوجهك.. بيديك.. حتى بأصغر ظفر في أصابعك.. وكلما غضبت فإنك تسمم جسمك، وتفسد مزاجك..
فتتراكم الصرخات بداخلك:
«أنت فاشل… أنت راسب… أنت خاسر… وأنت السبب في توالي انهيارتك…»، لأن الجهل بحقيقتك نوع من الغضب الصامت أيضاً!!
فلا تكن فارغاً يخاف من فراغه..
إيّاك وعلاقة التعويض أو ما يعرف بالـ Rebound، فهذا ظلم لك وللشريك…
تجنب المقارنة!..
لا تتعلق ببعض المقتنيات، فتصبح بذلك أسيراً للماضي والذكريات… دمّر/ي كل ما يخصه / هـا!!
حاول / ـي ملء وقتك، من خلال القراءة…
فكل تجربة تلقنك درسا، وكل ما لا يقتلك يقويك، شارك اللحظات الجميلة، وخذ من تجربتك درسا لا تنساه بقية حياتك.
واجه من تحُب بحُب ودع الغضب يذوب من أقصى الشهقةِ الأولى حتى الزفير الأخير.
وتذكّر دائما أن أجمل انتصار هو انتصار المرء على قلبه.. بعيدا عن الانفعالات والغضب..
عُدْ/ عودي…قوياً/ ةً…
إياك أن تعزز الفشل بالفشل.. المهم أن لا تسلب ثقتك بنفسك.. بقدراتك.. بقلبك..
وتذكّر أنّ أول الغضب جنون، وآخره ندم..
طوّر/ـي حاستك الخاصة التي تخبرك متى يجب أن تتغاضى ومتى يجب ان تقف بحزم لأي تصرف قد يكون فيه مساس مقصود أو غير مقصود بكرامتك.
لذلك…
انهضوا.. وصافحوا الشمس.. فأنتم الأجمل والأطهر..!!
