د. سعيد شحاتة: رواية قاين للكاتب ماهر فايز

عرض د. سعيد شحاتة
لغز الحياة والموت، ومعضلة الاختيار والمكتوب هي أبرز عناوين رواية قاين للكاتب المتميز ماهر فايز في أول اطلالته الروائية، وهي الخيط الذي يجمع تلابيب فصولها المختلفة في مقطوعة موسيقية ولوحة فنية يستمتع المرء بقراءاتها بشغف حتي نهايتها.
قرأت تلك الرواية الرائعة في يوم واحد ولايمكن لاي شخص ان يتوقف عن قراءاتها اذا بدأها. تبدأ الرواية باحتضار أدم وحواره مع حواء وتنتهي بحوار يوبال مع أنامي. إن الحوارات بين شخصياتها المختلفة هي الطابع السائد وتترك للقارئ أن يتوصل لمعناها والهدف منها.
تتمتع الرواية بالعمق وغني الحوارات وتشويقها والسلاسة وقوة العبارات والجرأة في الطرح التي قد تسبب انتقادات وصداعا للكاتب لخروجه عن المألوف وطرحها أسئلة عن الله قد يعتبرها البعض انتقادا للذات الالهية. ولكن تفحص ماتقوله تلك الشخصيات يري أنها أسئلة ترد علي ألسنة البعض ولكنهم غير قادرين علي التعبير عنها. يضاف الي ذلك فان بعض تلك التساؤلات والعبارات الواردة في الرواية عليها ردود من شخصيات أخري. ويجب الاخذ في الاعتبار أنها رواية بها جزء من خيال الكاتب وبالتالي يجب النظر اليها علي أنها رواية وليست نصا مقدسا. ويجب التأكيد علي أن الكاتب يؤمن ايمانا قويا بالله ولايمكن أن يتهمه أحد بغير ذلك. ومن هنا أدعو كل قارئ أن يري الرواية في هذا الاطار ولايحمل الاشياء اكثر مماتحتمل.
تمثل الرواية تحديا وصدمة للكثيرين بسبب تلك الجرأة في الطرح والتساؤلات عن الله والعالم الاخر الذي يشكك فيه البعض. ان الحوارات بين ذي الهامة الشعراء وميكائيل وبين قاين وشيث وبين يوبل وأنامي وبين حواء وقاين وبين أدم وحواء تتمتع بالغني والتشويق وطرح أفكار قد يعتبرها البعض انتقادا لله خالق الكل ومحب الكل.
من تلك الحوارات بين حواء وقاين أنها قالت “ياولدي لاتمزق كبدي، لم أعد أحتمل أكثر من ذلك. هو الذي أبعدك وفصلك عنا، وهو الذي ميز أيضا شيث من بعد هابل بقبوله قربانه، وفعل ذلك مع أنوش. وأنا علمت انه لم يفعل هذا معك ولا مع أحد من أولادك. أتريدني الأن أن أتخطي ما حدد لنا من قبله لكلينا.” هنا تلقي حواء اللوم علي الله فيما حدث لقاين واختياره لهابل ومن بعده شيث وأنوش. وهي بهذا تلقي الضوء علي قضية علم الله السابق وارادة الانسان. وفي رأي حواء أن علم الله السابق يلغي ارادة الانسان. وهذا في رأي غير صحيح لأن الله الذي خلق وأحب الانسان لايمكن أن يجبر الانسان علي شئ. وبالتالي فان علم الله السابق لايلغي ارادة وحرية اختيار الانسان للشر أو الخير.
وقد كرر قاين ذلك عند حديثه مع أخيه شيث “ملعون أنا قبل أن تلعنني الأرض-كما قال لي هو ذلك بنفسه- لعنة تدفعني لهوة مظلمة، لاأريدها، لكنني أشتاق اليها شوق من يريد الاختباء فيها من الحياة معه، تلك التي لم أستطعها ولم أقوي عليها. أنا أهرب مني لا من وجهه الذي أشتاق اليه ولا أطيق النظر اليه في نفس الوقت.” ولكن شيث رد عليه وعبر عن وجهة النظر الاخري التي لاتلوم الله علي الشر الذي يحدث في العالم وقال “أنا لا أدرك حكمته الكاملة فيما يفعل، ولم أتعود أن أضعه موضع اللوم بأي شكل كان.” ويضيف قاين أيضا في حديثه لانوش وهو ابن اخيه شيث عبارة صادمة يرددها البعض في الحوارات الخاصة “أنا مصر الأن علي أنه لو كان استمرا (أدم وحواء) دون زواج، لانتهي هذا المشروع برمته دون خسائر أكثر، ووقف امتداد هذا العبث المسمي بالحياة. ونحن في انتظار من لانعرفه ليسحق حية لم يرها أحد إلا جدتك وحدها حتي الان.”
ننتقل الي حوار أدم لحواء وهو يحتضر “أدركت أنه علي أن أختار بين نزول ارادي الي هاوية سقوطك أو أعود لوحدتي مع صورته وحده، دون أن أري جسدا لي أتحرك وأشعر من خلاله بهذه النوعية من الحياة. وفي حيرتي توقعت أن تدركني رحمته بنور ما، فلم يكن إلا الغياب وصمت كالليل المظلم. وهذا لايبرر موقفي الارادي من أكل الثمرة.” يختتم أدم بالقول “رضيت بتحرك ينشئه الحب عن أخر تفرضه الوصية وكان في هذا موتي.” يعكس هذا الحوار الصراع داخل أدم حين أكل من الثمرة وتمرد علي الله بين القاء اللوم علي الله وتحميله جزء من المسئولية وبين تسليمه أنه بارادته الحرة قام بذلك.
وكان حوار أدم مع الرجل عن الموت حوارا عبقريا ومعبرا عن لغز الموت الذي يعجز العقل البشري عن ادراكه.
ننتقل الي الحوار بين ذي الهامة الشعراء وهو الشيطان وازرائل ملك الموت حين قال الاول “سأرتاح إذا علمت سببا واحدا يبرر محبته لهم.” ورد ازرائل علي نفس النغمة “وهل أدركت سببا كافيا لبغضته لهم حتي أنه يسلمهم لنا بهذا الشكل.” وهي صورة تعبيرية رائعة عن التفسيرات المختلفة حول تعامل الله مع الانسان ونظرة الشيطان وملك الموت لذلك. قد تكون صادمة للبعض بالنسبة للموت ولكنها عظمية حول المحبة.
ان حوارات حواء وابنها شيث من جانب وذي الهامة وازرائل من جانب أخر حول الموت صورة تدعو للتأمل والتفكير. قالت حواء “بالرغم من خوفي من الموت وعدم فهمي له، إلا أنني أشعر الأن بقوة طاغية في لرفضه.” ولكن شيث قال “اقبل ثانية ماأودعته بيننا لوقت وليرتح عندك في المكان الذي تاق له كثيرا.” ولكن ذي الهامة قال لإزرائل “كلهم يدعون انتمائهم لعالم لم يرونه ولكن اليوم تأكد أنهم لاينتمون إلا للتراب الذي عاد إليه أبيهم.”
يضاف الي ذلك أن حوار قاين مع أنوش ابن أخيه عن الحياة والموت ورحمة الله يطرح أسئلة كثيرة تحتاج الي التفكير من جانب البعض والايمان أكثر من أخرين بعظمة الله ورحمته ومحبته.
إن الحوار بين ذي الهامة وميكائل رئيس الملائكة يطرح تساؤلات ويصعب قبوله من البعض لانه يطرح بعض الشكوك والتفكير قبل الاجابة وبعض الأمور التي لم يناقشها أخرون قبل ذلك مثل المحبة المشروطة وهو محاولة من الشيطان للتشكيك في محبة الله غير المشروطة. اذا لم يكن المرء ثابتا علي ايمانه يسهل التشكيك في ايمانه. ومن هنا أعتقد أنها دعوة للتمسك بالايمان في مواجهة تشكيلك الشيطان
الحوارات مستمرة وعلي أصعدة مختلفة تطرح تساؤلات يصعب الاجابة عليها ولكنها تدور في خلد البعض منا وان لم نصرح بها علي العلن كما عبر عنها بابداع ماهر فايز. تحية للكاتب والكتاب وأتمني ان يكون النقاش والتعليقات علي الرواية يتمتع بالموضوعية لانها رواية جديرة بالاحترام من كاتب جدير بالتقدير.

قد يعجبك ايضا