المخطوطات نفائس وحكايات للباحث صلاح حسن رشيد هل ماتت مدرسة تحقيق التراث العربية؟!

شبكة وهج نيوز : كتاب جديد صدر للأديب الباحث/ صلاح حسن رشيد بعنوان (المخطوطات نفائس وحكايات) عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في حوال مائتي صفحة من القطع الكبير، وهو يعالج قضايا حضارية وثقافية باتت مهمة جداً اليوم؛ في ظل اندثار مدرسة تحقيق التراث مصرياً وعربياً!ويستعرض الجوانب المضيئة في تراثنا العظيم؛ حتى منتصف القرن العشرين؛ ويقرع أبواب الجامعات والمجامع اللغوية؛ خوفاً على هذا الرصيد العجيب من المخطوطات؛ التي لا تجد اليوم من يحفِل بها، أو من يلتفت إلى كنوزها القشيبة! ويُظهر الكتاب؛ كيف كان الأجداد أكثر انفتاحاً مع الفنون والسَّماع والغِناء؛ في حين أن الأحفاد يُحَرِّمون اليوم ما أباحه الشرع، وفقهاء الأُمَّة! والكتاب دعوة للكتابة عن عالم المخطوط العربي؛ الذي قاد الأُمَّة إلى النهضة قديماً؛ في أننا لا نعترف به، ولا بأهل التحقيق، ولا نسمح بتدريس علم التحقيق في الجامعات العربية، كماوضع مناهجه وفنونه وطرائقه .. فطاحل المحقِّقين من العرب والمستشرقين على حدٍّ سواء!
وعلى النقيض من أحوالنا اليوم مع المخطوطات؛ التي لا تسر أحداً على الإطلاق؛ فعندما رأى المستشرقون المخطوطات العربية؛ هاموا بها حباً وهياماً؛ وتعلقوا بما تحويه من المعارف والآداب والعلوم والفنون؛ فساحوا في البيئة العربية؛ نسخاً وشراءً واقتناءً واستمتاعاً؛ وقاموا بإحيائها، وبعثها من جديد؛ حيث عالم النشر والقراءة والمطالعة! فلولا المخطوطات ولولا مطبعة بولاق، ولولا المستشرقون، ولولا رواد النهضة؛ لما نجح محمد علي باشا في استنهاض مصر، وبعثها حضارياً بالالتقاء مع أساطين الغرب، وجامعاته، وبحوثه!
وفي هذا الكتاب المهم؛ يستلهم الزميل الصحفي/ صلاح حسن رشيد عبق الماضي، ورياحينه؛ فيسافر عبر الزمان والمكان والشخوص والأحداث في إبحار الإدهاش والسِّحر؛ إذ يستنطق تراث الأجداد؛ بأقلام المستشرقين والأحفاد؛ في لوحات فنية سردية؛ يملؤها الرصيد الزاخر من الحفاوة والتبجيل؛ لِما قام به جهابذة التراث العربي الإسلامي من سبق علمي وحضاري في شتى الأغراض العلمية والأدبية، الشرعية والدنيوية؛ حيث اتسعت لديهم الرؤية، وتعمقت الأفكار؛ فكان التسامح شعارهم؛ والتلاقي والحوار ديدنهم؛ والإنسانية تجمعهم مع الآخر: تعايشاً وحباً وتواصلاً!
مدرسة التحقيق المصرية
ففي مطالع القرن العشرين؛ كانت النهضة المصرية في عنفوانها” تناضل على كل الجبهات، وتتقدَّم كل الميادين، وكان من نصيب الثقافة، إلى جانب العناية بالتعليم، إحياء التراث، وتحقيق ذخائره، ونشرها على أُسُس علمية، مُحتذية مناهج المستشرقين وطرائقهم، وأول خطوة في هذا الطريق؛ يرجع فضلها إلى أحمد زكي باشا؛ فقد قام بتحقيق مخطوطتي(أنساب الخيل)، و(الأصنام) لابن الكلبي عام 1914م في مطبعة بولاق. وكان عمله فاتحة تقدُّم لم تعهده مصر في مجال التحقيق الأدبي؛ مِن تقديم النص، وضبطه، والتعليق عليه، وشرح غامضه، وإلحاق الفهارس التحليلية به، واستخدام علامات الترقيم الحديثة في الفصل بين جُمَله. ونشرتْ دار الكُتُب المصرية(صبح الأعشى) للقلقشندي مُحقَّقاً في (14) مجلداً عام 1920م، ثم (نهاية الأرب) عام 1923م، ثم تبنَّتْ كتاب(الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني ..” كما يقول العلاَمة الدكتور/ الطاهر أحمد مكي(1924م- …) في كتابه(دراسة في مصادر الأدب).
تُرى؛ ما هو الحال اليوم موازنةً بزمان النهضة في مطالع العصر الحديث؟ وهل نحن نسير على منوالهم: تجديداً وتحقيقاً، وكشفاً للخبئ من المخطوطات؟ وهل مازالت مدرسة التحقيق العربية كما هي في حيويتها ونشاطها وكفاءتها، أم أصابتها عوامل الفوضى، والتخلف التي تضرب بزلازلها في نخاع البيئة العربية؟!
يجيب صلاح حسن رشيد قائلاً: “فلا جرم؛ أنها أزمة طاحنة؛ قلَّ فيها الخبير؛ بل انعدم! وضاع فيها علم التحقيق؛ بل اندرس! وبات هناك نماذج تُعد على أصابع اليد الواحدة، من البقية الصالحة من أجيال العماليق في هذا الفن؛ الذي صدَّره العرب إلى الدنيا؛ يومَ أن كانت لهم نهضة تحدَّث عنها الشرق والغرب! ويوم أن كانت لهم حضارة أظلَّت الإنسانية بمكارم الأخلاق، وأنوار المعرفة، وقبسات الفن”.
ومن قبل ذلك؛ نادى المحقق الرائد/ عبد السلام هارون في كتابه(نوادر المخطوطات) بضرورة تدريس علم تحقيق المخطوطات، ونشرها في الجامعات المصرية والعربية على أيدي كِبار المحققين، وشيوخهم؛ فقال: “وقد ناديتُ أن تلتزم كلياتنا الجامعية ذات الطابع الثقافي الإسلامي بتكليف طلبة الدراسات العالية؛ أن يقوم كلٌّ منهم بتحقيق مخطوطٍ يمت بصلةٍ إلى موضوع الرسالة التي يتقدَّم بها؛ فقلتُ: وإنه لمِمّا يُثلِج الصدر أن تتجه جامعاتنا المصرية اتجاهاً جديداً إزاء طُلاّبها المُتَقدِّمين للإجازات العلمية الفائقة؛ إذ تُوجِّههم إلى أن يُقدِّموا مع رسالاتهم العلمية تحقيقاً لمخطوطٍ يمت بصلةٍ إلى موضوع الرسالة. وعسى أن يأتي اليوم الذي يكون فيه هذا الأمر ضريبةً علميةً لا بد من أدائها”!
لكنَّ نِصف نداء هارون هو ما تحقَّق في أرض الواقع؛ فبدلاً من إسناد الجامعات المصرية والعربية تدريس فن التحقيق إلى علماء المخطوطات الكبار؛ وجدناها .. أسندته إلى أساتذة أكاديميين، لا علاقة لهم بالتراث، ولا بالتحقيق في كثيرٍ، أو قليل! مما أدَّى إلى كثرة الكم المُحقَّق، وقلة النوعية والكفاءة، وضياع هذا العلم الجليل بين الأحفاد!
فوضى التحقيق اليوم!
ويضع صلاح حسن رشيد يده على أسباب هذه الفوضى العارمة التي نراها في حقل المخطوطات والتحقيق؛ فيقول: وبمرور الزمن رحل عباقرة تحقيق التراث الواحد تلو الآخر؛ فأحدث غيابهم جرحاً غائراً في الخاصرة العربية لم يندمل بعد في حقل الثقافة والتراث! وأدَّى ذلك إلى اقتحام البعض لهذا البحر الهائج(التحقيق) وهو لا يمتلك الأدوات، ولا الثقافة، ولا الموسوعية؛ فكانت الكارثة التي نحياها اليوم من المحيط إلى الخليج! فكم من الرسائل الأكاديمية التي تُعطى في الماجستير والدكتوراه في تحقيق التراث، وإظهار المخطوطات وإحيائها؛ إلاَّ أنَّ الكيف ردئ للأسف الشديد، والبون شاسع بين تحقيقات الأجداد، والآباء الماهرين، وبين تحقيقات الحفدة العاجزين! فالعجلة، والتسرع، والاكتفاء بدراسة التحقيق نظرياً فقط، وعدم التتلمذ على يد شيوخ التحقيق تطبيقياً، وإرادة الحصول على الإجازة العلمية بأي وسيلة؛ كل ذلك أدَّى إلى عدم إتقان الجيل الجديد لقواعد فن التحقيق، وضوابطه على الصورة التي وضعها رادة هذا الفن الجليل!
ومن هنا؛ كانت الأخطاء القاتلة، وسوء الاختيار، والتكرار، وكثرة المعروض من عناوين التحقيق، وقلة الزاد، والفائدة؛ من قبل ومن بعد!
فهل-يا تُرى- ماتت مدرسة التحقيق العربية التي أرسى دعائمها فطاحل المحققين بالسكتة الدماغية؟!
وما هو السبيل لمعاودتها إلى الحياة من جديد؟! وأين القائمون على التراث في المجامع اللغوية، وكليات: دار العلوم، واللغة العربية، والآداب، ومعهد المخطوطات العربية من هذه الظاهرة الخطيرة؟!
وكيف يمكن الارتقاء بالتحقيق مرةً أخرى؛ خاصة أنَّ ما هو دفين، ومحجوب، ومهمل من المخطوطات أكثر بكثيرٍ مما تمَّ إخراجه حتى الآن؟!
ومتى تعود للمُحَقِّق كرامته، ومكانته، ودوره الحيوي في المجتمع؟! وكيف نجذب أبناءنا إلى حب التراث؛ في عصرٍ يتيه عُجباً وخيلاءً بعشق ما هو أجنبي! ويتندَّر من كل ما هو عربي الوجه واللسان!
موضوعات الكتاب
يعرض الكتاب .. المخطوطات المنتقاة بعناية ودراية لقضية مهمة هي: تُرى كيف كان الأسلاف متسامحين، وأكثر انفتاحاً على الفنون، والسماع! وليس كما يتوهَّم البعض الآن؛ من الأجيال الجديدة؛ التي تُصادِر ما أباحه الشرع؛ باسم التطرف، والتضييق، والمنع بلا دليلٍ ولا نص!
كما جمع الكتاب بين العلوم النظرية، والعلوم التطبيقية، بين مطالب النفس والروح، وبين مطالب الحياة والواقع! بين علوم الدين، وعلوم الدنيا.
فمن موضوعات الكتاب التي تناولها: مخطوطة مصحف ابن البواب آية عجيبة من الفن والزخرفة، والعثور على النسخة الوحيدة من مخطوطة السماع للقيسراني، وما تتضمنه من آراء الصحابة والتابعين، وكبار الفقهاء حول إباحة السماع؛ الذي لا يتضمن الفحش، ولا الخروج على تعاليم الإسلام . ومقامات السيوطي الأدبية الخلاّبة، التي تحدَّث فيها عن النقد الاجتماعي في عصره، وعن السرقات التأليفية، والنقد السياسي! والعثور على أول مخطوط في أدب الطفل لابن الهيتمي؛ قبل أن يعرف الغرب هذا الأدب المهم! ومنها: رحلة مخطوطة طوق الحمامة للإمام ابن حزم الظاهري في الحب، والعشق، وأنواعه، وأوقاته، ودواعيه، وغرام ابن حزم بسماع الأغاني، وحديثه عن الطرب! ومنها: ابن سينا بين جماليات الأدب وحكمة العلم، والرازي رائد الطب السريري في العصور الوسطى، وكيف سبق العرب في معرفة علم اللسانيات قبل تشومسكي وغيره من الغربيين! ومنها: قصة مخطوطة كتاب الفوائد في أصول البحر والقواعد لأسد البحار أحمد بن ماجد، وكيف أن كولمبس عرف أمريكا عن طريقه! ومنها: مخطوطات علوم التفسير في الأندلس، وأصداء عربية في الكوميديا الإلهية لدانتي، وهل أسلم دانتي فعلاً؟! ومنها: كيف أعاد المستشرقون النِّفَّري إلى الحياة بعد قرون من إهمال العرب؟! ومخطوطة سِحر مزامير النبي داود عليه السلام، وهل هناك علاقة عضوية بين السِّحر الحلال، وبين العلاج النفسي في العصر الحديث؟! وكيف تمَّ الاهتداء إلى مخطوطة مجهولة لديوان سلطان العاشقين ابن الفارض في الفاتيكان على يد أحد الرهبان؟! ومخطوطة أسرار الحج التي غسل فيها الإمام أبو حامد الغزالي ذنوبه على جبل عرفات! ومخطوطة أمثال القرآن للنيسابوري، ومخطوطة أسرار التنزيل وأنوار التأويل للإمام الرازي، ومخطوطة تفسير ابن عجيبة الساحرة، ومخطوطة المُجيد في إعجاز القرآن المَجيد لابن خطيب الزملكاني، ومخطوطة القواعد الكبرى في فقة مقاصد الشريعة للإمام العز بن عبد السلام، ومخطوطات الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة النعمان، وفرسان مدرسة التحقيق المصرية، إلى جانب القضايا الشائكة المتعلقة بالتراث، ومنها: هل تمَّ تشويه المعتزلة في التراث الإسلامي؟! وتأثيرات عربية وإسلامية في الفكر الأوربي الوسيط، ومحمد كرد علي يستعيد عوالم شيخ العروبة، وشيخ التراث! والوثائق العربية في جمهورية راغوصة! وهل ماتت مدرسة التحقيق العربية الزاهرة؟! وهل عرف العربُ فن الإتيكيت قبل الغرب بقرون، كما يقول السيوطي في مخطوطة(الوسائل إلى معرفة الأوائل)؟!

المصدر : “راي اليوم”

قد يعجبك ايضا